للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إلى الأنصار. فجئتُ إلى السقيفة، فوجدتُ أبا بكر، وعمر، وأبا عُبَيْدَةَ بن الجراح، وسالِمًا، وجماعة من قُرَيْش، ورأيتُ الأنصار فيهم سَعْدُ بن عُبادَةَ، وفيهم شُعراؤهم: حَسانُ بن ثابتٍ، وكَعبُ بن مالكٍ، ومَلأ منهم. فأويتُ إلى قريش. وتَكلمتِ الأنصارُ، فأطالوا الخِطاب، وأكثروا الصواب، وتكلم أبو بكر، فِلله دره من رجل! لا يُطيل الكلامَ، ويعلم مواضعَ فَصْلِ الخِصام، واللهِ لقد تكلم بكلام لا يسمعه سامع إلَّا انقاد له، ومال إليه. ثم تكلم عمرُ بعده بدُونِ كلامه، ثمّ مدّ يدَه إليه، وبايَعَه، وبايَعوه. ورجع أبو بكر، ورجعتُ معه. قال أبو ذؤيب: فشهِدتُ الصلاةَ على محمّد- صلى الله عليه وسلم -، وشهدتُ دَفْنَه. ثم أنشد أبو ذؤيب يبكي النبي - صلى الله عليه وسلم -[من الكامل]:

لما رأيتُ الناسَ في عَسَلانِهم ... ما بَينَ مَلْحود له ومُضَرَّحِ

مُتَبادِرِينَ لشَرجَع بأكفهِم ... نَص الرقاب لفَقْدِ أَرْوَعَ أَرْوَحِ

فهناكَ صِرتُ إلى الهُمومِ ومَن يَبِت ... جارَ الهُمومَ يَبِيتُ غيرَ مُرَوحِ

كُسِفَت بمَصْرَعِه النجومُ وبَذرُها ... وتَزَعزَعَت آطامُ بَطنِ الأَبطَحِ

وتَرَعْرَعَت أَجبالُ يَثْرِبَ كلُها ... ونُخَيْلُها بحُلُولِ خَطْبٍ مُفْدحِ

ولَقَذ زَجَرْتُ الطيرَ قَبلَ وفاته ... بمُصابِه وزجَرتُ سَعْد الأذبَحِ

وزجرت إذْ نَعَبَ المُشَحجُ سانحًا ... مُتفائلًا فيه بِفَأل أَقْبَحِ

ثم انصرف أبو ذؤيب إلى بادِيَته. وتُوفي أبو ذؤيب في خلافةِ عثمان بن عَفانَ بطريقِ مكةَ ذاهبًا إليها، ودفنه ابن الزبَير.

* * *

قال صاحب الكتاب: والجَزائيةِ، وذلك عند إلحاقِ "مَا" المزيدة بآخِرها، كقوله تعالى: {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ} (١).

* * *

قال الشارح: وقد قلبوا ألفها هاء أيضًا إذا كانت جزاء، فقالوا: "مَهْمَا"، وأصلها عند الخليل "مَا" (٢). وحروفُ الجزاء قد تُزاد فيها "مَا"، كقولك: "متى ما تأتِني آتِك"، و"أَينَ ما تكن أكن"، فزادوا "ما" على "مَا" كما يزيدون "ما" على "مَتَى" فصار "مَامَا"، فاستقبحوا هذا اللفظ لتَكرار الحرفَين، فأبدلوا من الألف الأولى هاء، فقالوا: "مَهْمَا"، إذ الألف والهاء من مَخرَج واحد.

وقال آخرون: هي مركبةَ من "مَهْ" بمعنى: "اكفُف" و"ما" الشرطيةِ. والمعنى عندهم: اكفف عن كل شيء ما تفعل أَفعلْ. وقال غيرهم هي اسم مفردٌ معناه العموم. قالوا: لأن الأصل عدمُ التركيب. ويؤيد القولَ الأولَ عَوْدُ الضمير إلى "مَهْمَا" كما يعود إلى


(١) الأعراف: ١٣٢.
(٢) الكتاب ٣/ ٥٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>