للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

كضَيِّق وضائق، وصَيِّن وصائن، وليس كبَيِّن وبائن، فإنهما متغايران؛ كقَيِّم وقائم، واستعمال الْبَيِّع في المشتري إما على سبيل التغليب، أو لأن كلًّا منهما بائع. انتهى (١).

(كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ)؛ أي: في إمضاء البيع (عَلَى صَاحِبِه، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) - بتقديم التاء على الفاء - قال وليّ الدين - رَحِمَهُ اللهُ -: كذا في أكثر الروايات، وفي بعضها "يَفْتَرِقا" بتقديم الفاء، وبالتخفيف، وهو عند النسائيّ من غير وجه، وكذا هو عند مسلم من حديث حكيم بن حِزَام، وحَكَى ثعلب عن ابن الأعرابيّ، عن الْمُفَضَّل أنه قال: يفترقان بالكلام، ويتفرقان بالأبدان.

وأنكره القاضي أبو بكر بن العربيّ، وقال: لا يشهد له القرآن، ولا يعضده الاشتقاق، قال الله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)} [البينة: ٤]، فذكر التفرق فيما ذكر فيه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الافتراق في قوله: "افترقت اليهود والنصارى على ثنتين وسبعين فرقةً، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة".

قال وليّ الدين: التفرق الذي في الآية، والافتراق الذي في الخبر، لا يمتنع أن يراد بهما الأبدان؛ لأنه لازم لاختلاف العقائد غالبًا، فإن من خالف شخصًا في عقيدته، هَجَرَه، ولم يساكنه غالبًا، وبتقدير أن يراد به الأقوال، فلا يطابق مَنْ أَوَّل هذا الحديث على الافتراق بالأقوال، كما سنحكيه؛ لأن أقوال أولئك المختلفين متفرقة، ولا يطابق شيء منها الآخر، وأما هنا فإن قولي البائعين متوافقان، لا يخالف أحدهما الآخر، فإنه لو خالفه لم يصحّ البيع، والله أعلم. انتهى (٢).

وقال في "الفتح": قوله: "ما لم يتفرقا"، في رواية النسائيّ: "يفترقا" بتقديم الفاء، ونَقَلَ ثعلب عن المفضل بن سلمة: افترقا بالكلام، وتفرّقا بالأبدان، وردّه ابن العربيّ بقوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}، فإنه ظاهر في التفرق بالكلام؛ لأنه بالاعتقاد، وأجيب بأنه من لازمه في الغالب؛


(١) "الفتح" ٥/ ٥٦٢.
(٢) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٦/ ١٤٨.