للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

ضرّي فتضروني"، فلست إذًا أخصكم بهداية المستهدي، وكفاية المستكفي المستطعم، والمستكسي بالذي أطلب أن تنفعوني، ولا أنا إذا غفرت خطاياكم بالليل والنهار أتقي بذلك أن تضروني، فإنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني؛ إذ هم عاجزون عن ذلك، بل ما يقدرون عليه من الفعل لا يقدرون عليه إلا بتقديره وتدبيره، فكيف بما لا يقدرون عليه، فكيف بالغنيّ الصمد الذي يمتنع عليه أن يستحقّ من غيره نفعًا أو ضرًّا، وهذا الكلام كما بَيَّن أن ما يفعله بهم من جلب المنافع، ودفع المضارّ، فإنهم لن يبلغوا أن يفعلوا به مثل ذلك، فكذلك يتضمن أن ما يأمرهم به من الطاعات، وما ينهاهم عنه من السيئات، فإنه لا يتضمن استجلاب نفعهم؛ كأمر السيّد لعبده، أو الوالد لولده، والأمير لرعيته، ونحو ذلك، ولا دَفْع مضرّتهم كنهي هؤلاء أو غيرهم لبعض الناس عن مضرّتهم، فإن المخلوقين يَبْلُغ بعضَهم نفعُ بعض، ومضرّة بعض، وكانوا في أمْرهم ونهيهم قد يكونون كذلك، والخالق - سبحانه وتعالى - مقدَّس عن ذلك، فبَيَّن تنزيهه عن لحوق نَفْعهم وضرّهم في إحسانه إليهم بما يكونون من أفعاله بهم، وأوامره لهم، قال قتادة: إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلًا به عليهم، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم.

[[فصل]]

ولهذا ذكر هذين الأصلين بعد هذا، فذكر أن بِرّهم وفجورهم الذي هو طاعتهم ومعصيتهم، لا يزيد في مُلكه، ولا ينقص، وأن إعطاءه إياهم غايةَ ما يسألونه نِسبته إلى ما عنده أدنى نسبة، وهذا بخلاف الملوك وغيرهم، ممن يزداد مُلكه بطاعة الرعيّة، وينقص مُلكه بالمعصية، وإذا أعطى الناس ما يسألونه أنفد ما عنده، ولم يُغنهم، وهم في ذلك يبلغون مضرّته ومنفعته، وهو يفعل ما يفعله من إحسان، وعفو، وأمر، ونهيٍ لرجاء المنفعة، وخوف المضرّة، فقال:

"يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من مُلكي