للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

قال: "أن لا يعذبهم" (وَحَقَّ مَوَالِيهِ) هو أن ينصح لهم في معاملاته، ولا يقصّر في ذلك، إن لم يكن معصيةً؛ إذ لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق (كَانَ لَهُ أَجْرَانِ") أجر لأدائه حقّ الله تعالى، وأجر لأدائه حقّ مواليه (قَالَ) أبو هريرة -رضي الله عنه- (فَحَدَّثْتُهَا)؛ أي: أخبر بهذه الرواية (كَعْبًا) هو كعب بن ماتع الْحِمْيَريّ، أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار، كان من أهل اليمن، ثم سكن الشام، ومات في خلافة عثمان -رضي الله عنه-، وقد زاد عمره على المائة، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٩٢/ ٤٩٧. (فَقَالَ كَعْبٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ حِسَابٌ، وَلَا عَلَى مُؤْمِنٍ مُزْهِدٍ) قال النوويّ -رَحِمَهُ الله-: المزهد -بضم الميم، وإسكان الزاي- ومعناه: قليل المال، والمراد بهذا الكلام أن العبد إذا أدَّى حقّ الله تعالى، وحقَّ مواليه، فليس عليه حساب؛ لكثرة أجره، وعدم معصيته، وهذا الذي قاله كعب يَحْتَمِل أنه أخذه بتوقيف، ويَحْتَمِل أنه بالاجتهاد؛ لأن من رَجَحَتْ حسناته، وأُوتي كتابه بيمينه، فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا، وينقلب إلى أهله مسرورًا. انتهى (١).

وقال المازريّ: يعني بالمزهد: القليل المال، يقال: أزهد الرجلُ يُزهد إزهادًا: إذا قلّ ماله، قال الأعشى:

فَلَنْ يَطْلُبُوا سِرَّهَا لِلْغَنِيِّ … وَلَنْ يُسْلِمُوهَا لإزْهَادِهَا

فالإزهاد: قلّة المال، والسرّ في هذا البيت يعني به النكاح، والشيء الزهيد هو القليل.

وقال القاضي عياض -رَحِمَهُ اللهُ-: معنى قول كعب: ليس عليه حساب؛ أي: ليس على عبد أدّى حقّ الله، وحقّ سيِّده حسابٌ؛ لكثرة أجره، فإما أن يقولها كعب عن توقيف عنده، وأن هذا مما خُصّ بذلك، كما خُصّ به السبعون ألفًا المذكورون في الحديث، ومن خُصّ بذلك من غيرهم، أو يكون اجتهادًا منه؛ لتخفيف حسابه، فكان كمن لم يُحاسَب؛ لغلبة حسناته وكثرتها، كما قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)} [الانشقاق: ٧ - ٩]. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.


(١) "شرح مسلم" ١١/ ١٣٦ - ١٣٧.
(٢) "إكمال المعلم" ٤/ ٤٣٧ - ٤٣٨.