للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

موافقٌ لقوله عزَّ وجلَّ: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} الآية [النحل: ٤٣] (١).

وفيه أمر العالم الناس بسؤاله عما يحتاجون إليه؛ ليبيّنه لهم، وأنهم إن لم يُحسنوا السؤال ابتدأ التعليم من قِبَل نفسه، كما فعل جبريل عليه السلام، أو يَجعل من يسأل، فيُجيبُ بما يلزمهم علمه (٢).

وقوله: "وتؤمن بالقدر"، قيل: لعلّ الحكمة في إعادة لفظ: "وتؤمن كأنها إشارة إلى ما يقع فيه من الاختلاف، فحصل الاهتمام بشأنه بإعادة "تؤمن ثم أكّده بقوله: "كلّه بل في الرواية الأخرى بالإبدال بقوله: "خيره وشرِّه، وحُلْوِه ومُرِّه ثم زاده تأكيدًا بقوله في الرواية الأخرى أيضًا: "من الله".

وقوله: "وإذا رأيت الْحُفَاة الْعُرَاة الصُّمَّ الْبُكْم": المراد بهم الْجَهَلَة السَّفَلَة الرِّعاع، وقيل لهم: ذلك مبالغةً في وصفهم بالجهل، كما قال سبحانه وتعالى: "صمّ بكم عُميٌ"، أي لَمّا لم ينتفعوا بجوارحهم هذه، فكأنهم عَدِموها، يعني أنهم لم يستعملوا أسماعهم، ولا أبصارهم في شيء من أمر دينهم، وإن كانت حَوَاسُّهم سَلِيمة.

وقوله: "ملوك الأرض وفي رواية: "رؤوس الناس"، وأراد بهم أهلَ البادية، كما صرح به في رواية سليمان التيمي وغيره قال: "ما الحفاة العراة قال: "الْعُرَيب" وهو بالعين المهملة على التصغير، وفي الطبراني من طريق أبي حمزة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعًا: "مِن انقلاب الدين تَفصُّح النَّبَط، واتخاذهم القُصُور في الأمصار".

قال القرطبيّ رحمهُ اللهُ: المقصود الإخبار عن تبدل الحال، بأن يستولي أهلُ البادية على الأمر، ويتملكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم، وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان، والتفاخر به، وقد شاهدنا ذلك في هذا الزمان، ومنه الحديث الآخر: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعدُ الناس بالدنيا لُكَعَ ابن لُكَع ومنه: "إذا وُسِّد الأمرُ إلى غير أهله، فانتظروا الساعة"، وكلاهما في "الصحيح". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: ٨٨].


(١) راجع: "شرح النووي" ١/ ١٦٥.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ١٢٦.