للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

سأله تجديد النكاح عليها، وقول بعضهم: إنه ظنّ أن النِّكَاح بغير إذنه، وتزويجه غير تام، فسأل رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يزوجه إياها نكاحًا تامًّا، فسلّم له النبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حاله، وطيّب قلبه بإجابته، وقول بعضهم: إنه ظن أن التخيير كان طلاقًا، فسأل رَجْعتها، وابتداء النِّكَاح عليها، وقول بعضهم: إنه استشعر كراهة النبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لها، وأراد بلفظ التزويج استدامة نكاحها، لا ابتداءه، وقول بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون وقع طلاق، فسأل تجديد النِّكَاح، وقول بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون أبو سفيان قال ذلك قبل إسلامه؛ كالمشترط له في إسلامه، ويكون التقدير: ثلاث إن أسلمت تعطينيهنّ، وعلى هذا اعتمد المحبّ الطبريّ في جواباته للمسائل الواردة عليه، وطوّل في تقريره.

وقال بعضهم: إنما سأله أن يزوجه ابنته الأخرى، وهي أختها، وخَفِي عليه تحريم الجمع بين الأختين؛ لِقُرب عهده بالإسلام، فقد خَفِي ذلك على ابنته أم حبيبة، حتى سألت رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذلك، وغَلِط الراوي في اسمها.

وهذه التأويلات في غاية الفساد والبطلان، وأئمة الحديث والعلم لا يرضون بأمثالها، ولا يصححون أغلاط الرواة بمثل هذه الخيالات الفاسدة، والتأويلات الباردة، التي يكفي في العلم بفسادها تصوّرها، وتأمل الحديث، وهذا التأويل الأخير، وإن كان في الظاهر أقلّ فسادًا، فهو أكذبها، وأبطلها، وصريح الحديث يردّه، فإنه قال: أم حبيبة أزوجكها، قال: "نعم"، فلو كان المسؤول تزويج أختها لَمَا أنعم له بذلك -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فالحديث غلطٌ، لا ينبغي التردّد فيه، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيِّم -رَحِمَهُ اللهُ- (١).

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن القيّم -رَحِمَهُ اللهُ- تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، وقال أيضًا في "جلاء الأفهام" بعد أن فصّل القول فيه. والصواب: أن الحديث غير محفوظ، بل وقع فيه تخليط. انتهى (٢).

وقال القاضي عياض: والذي وقع في مسلم من هذا غريبٌ جدًّا عند أهل


(١) "حاشية السنن" لابن القيّم ٦/ ٧٥ - ٧٦.
(٢) "جلاء الأفهام" ص ١٣٥.