للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه النوويّ - رحمه الله - من جواز تسميته تعالى بما ثبت في خبر الآحاد هو الحقّ؛ فإن خبر الآحاد تثبت به الأحكام الشرعيّة، سواء كان في باب العقائد، أو العبادات، أو المعاملات، واشتراط كون الأخبار متواترة في باب العقائد مذهب الطوائف الزائغة، فتبصّر لذلك، فإنه من مزالّ الأقدام، والله تعالى وليّ التوفيق.

وقال القرطبيّ - رحمه الله -: قوله: "إن الله رفيق يحب الرفق"؛ أي: يأمر به، ويحضّ عليه، وقد تقدّم أن حبّ الله للطاعة شَرْعه لها، وترغيبه فيها، وحبّ الله لمن أحبه من عباده: إكرامه له.

قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم الردّ على القرطبيّ وغيره في تأويلهم صفة المحبّة بالإكرام ونحوه، فالحقّ أن صفة المحبّة ثابتة لله تعالى على ظاهرها، كما يليق بجلاله، فتنبه فإن هذا من مزالّ الأقدام، والله تعالى أعلم.

(يُحِبُّ الرِّفْقَ) بالكسر: لِيْن الجانب بالقول والفعل، والأخذ بأيسر الوجوه، وأحسنها؛ أي: يحب أن يَرْفُق بعضكم ببعض، وقال الباجيّ: يريد ما يحاوله الإنسان من أمر دينه، ودنياه (١).

(وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ) في الدنيا من الثناء الجميل، ونيل المطالب، وتسهيل المقاصد، وفي العقبى من الثواب الجزيل، (مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ) بتثليث العين، وضمّها أشهر، وبسكون النون: الشدة، والمشقة، فكل ما في الرفق من الخير، ففي العنف من الشر مثله، ونبّه به على وطاءة الأخلاق، وحسن المعاملة، وكمال المجاملة، وفيه إيذان بأن الرفق أنجح الأسباب، وأنفعها بأسرارها، ووَصَفَ الله - سبحانه وتعالى - بالرفق إرشادًا وحَثًّا لنا على تحري الرفق في كل أمر (٢)، وقوله: (وَمَا لَا يُعْطِي)؛ أي: ويُعطي الذي لا يعطيه (عَلَى مَا)؛ أي: على الخُلق الذي هو (سِوَاهُ")؛ أي: غير الرفق، ففيه تعميم بعد التخصيص، وقال القاري: قوله: "على ما سواه"؛ أي: سوى الرفق، وهو العنف، ففي الكلام زيادة مبالغة وتأكيد للحكم، والأظهر أن التقدير: ما سوى الرفق، من الخصال الحسنة.


(١) "شرح الزرقانيّ" ٤/ ٥٠٤.
(٢) "فيض القدير" ٢/ ٢٣٧.