للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

أقوالًا وأفعالًا؛ أي: هلكوا في الدين، كما هلك الرهبانيّة، ونحوهم. انتهى (١).

وقال القاري رَحمه اللهُ: "المتنطّعون"؛ أي: المتكلفون في الفصاحة، أو المصوِّتون من قعر حلوقهم، والمردّدون لكلامهم في أفواههم رعونة في القول، قال التوربشتيّ: أراد بهم المتعمقين الغالين في خوضهم فيما لا يعنيهم من الكلام، والأصل في المتنطع الذي يتكلم بأقصى حلقه، مأخوذ من النِّطَع، وهو الغار الأعلى، وإنما ردد القول ثلاثًا تهويلًا وتنبيهًا على ما فيه من الغائلة، وتحريضًا على التيقظ، والتبصر دونهم، وكم تحت هذه الكلمة من مصيبة تعود على أهل اللسان، والمتكلفين في القول الذين يَرُومُون بسبك الكلام سَبْيَ قلوب الرجال، نسأل الله العافية.

قال الطيبيّ: لعل المذموم من هذا ما يكون القصد فيه مقصورًا على مراعاة اللفظ، ومجيء المعنى تابعًا للفظ، وأما إذا كان بالعكس، وكلام الله تعالى، وكلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - مصبوب في هذا القالب، فيرفع الكلام إلى الدرجة القصوى، قال تعالى حكاية عن الهدهد: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: ٢٢].

قال في "الكشاف": هذا من جنس الكلام الذي سماه الْمُحْدَثون البديعَ، وهو من محاسن الكلام التي يتعلق باللفظ بشرط أن يجيء مطبوعًا، أو يصوغه عالم بجوهر الكلام، يحفظ معه صحة المعنى، وسَداده، ولقد جاء ها هنا زائدًا على الصحة، فحسُن، وبَدُع (٢) لفظًا ومعنى، ألا ترى أنه لو وُضع مكان "بنبأ" "بخبر" لكان المعنى صحيحًا، وهو كما جاء أصحّ؛ لما في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال.

وقال أبو الحسين الهرويّ صاحب "دلائل النبوة": اعلم أن التلاؤم يكون بتلاؤم الحروف، وتلاؤم الحركات والسكنات، وتلاؤم المعنى، فإذا اجتمعت هذه الوجوه خرج الكلام غايةً في العذوبة، وفي حصول بعضها دون بعض انحطاط درجة العذوبة عن الغاية، وسائر أقسام الفصاحة مع عدم التلاؤم يُعدّ


(١) "التنوير شرح الجامع الصغير" ١١/ ٢٣.
(٢) بضمّ الدال؛ ككرُم.