وحملوا عليها قوله تعالى:{وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} لكن هذا وجه ضعيف؛ لأن فيه حملَ الآية على لغة ضعيفة، والصحيح أن {الَّذِينَ ظَلَمُوا} بدل من الضمير الفاعل، وهو الواو، أو "الذين" مبتدأ مؤخَّر، خبره جملة:{وَأَسَرُّوا النَّجْوَى}، فتنبّه، ومثله حديث:"يتعاقبون فيكم ملائكة … " الحديث، على بعض الروايات، وأشباه هذا كثيرة معروفة.
ووقع في رواية أبي داود في "سننه": "واحمرّت عيناه" من غير ألف، وهو ظاهر، والله تعالى أعلم.
(وَقَالَ) عمران - رضي الله عنه - (أَلا) أداة استفتاح، وتنبيه (أَرَاني) أي أرى نفسي.
[فائدة]: من خواصّ أفعال القلوب جواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين لمسمّى واحد، كـ"ظَننتني قائمًا"، وقوله تعالى: {أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)} [العلق: ٧]، وأُلْحِقَ بها في ذلك "رأى" الْحُلميّة والبصريّة بكثرة، نحو {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا}[يوسف: ٣٦]، وقول الشاعر [من الكامل]:
و"عَدِمَ"، و"فَقَدَ"، و"وَجَدَ" بمعنى لَقِي بقلّة، دون باقي الأفعال، فلا يقال:"ضربتني" اتفاقًا؛ لئلا يكون الفاعل مفعولًا، بل ضربت نفسي، وظلمت نفسي؛ ليتغاير اللفظان، فإن ورد ما يوهمه قُدّر فيه النفس، نحو {وَهُزِّي إِلَيْكِ}[مريم: ٢٥]، {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ}[طه: ٢٢]، و {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ}[الأحزاب: ٣٧]، أي إلى نفسك، وعلى نفسك، بخلاف أفعال القلوب، فإن مفعولها في الحقيقة مضمون الجملة، لا المنصوب بها، فلا ضرر في اتحاده مع الفاعل، ولا توضع النفس مكانه عند الجمهور، فلا يقال: ظننت نفسي عالمة، وجوّزه ابن كيسان، فإن كان أحد الضميرين منفصلًا جاز في كلّ فعل، نحو ما ضربتُ إلا إياي (١)، فافهمه، فإنه نفيس، والله تعالى أعلم.
(١) راجع: "حاشية الخضري على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة" ١/ ٢٢١ - ٢٢٢.