للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

كافرُ بغير تنوين، فجعله منادى مفردًا، محذوفَ حرف النداء، وهذا خطأ؛ إذ لا يُحذف حرف النداء مع النكرات، ولا مع المبهمات، إلَّا فيما جرى مجرى المثل في نحو قولهم: "أَطْرِقْ كرَا" (١)، و"افتَدِ مخنوقُ" (٢)، وفي حديث موسى - عَلَيْهِ السَّلَام -: "ثوبي حجر، ثوبي حجر"، متّفقٌ عليه، وهو قليل. انتهى.

قال الجامع: وهذا الذي قاله القرطبيّ قد أشار إليه ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:

وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا

وَذَاكَ فِي اسْمِ الجِنْسِ وَالْمُشَارِ لَهْ … قَلَّ وَمَنْ يَمْنَعْهُ فَانْصُرْ عَاذِلَهْ

قال القرطبيّ: وأصل الكفر التغطية والسترُ، ومنه سُمّي الزارع كافرًا، ومنه قوله تعالى: {أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} [الحديد: ٢٠]، أي الزارع، ومنه قول الشاعر [من الكامل]:

........................ … فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا (٣)

أي ستر وغطّي، والغمام السحاب، وأما الكفر الواقع في الشرع، فهو جَحْد المعلوم منه ضرورةً شرعيّةً، وهذا هو الذي جرى به العرف الشرعيّ، وقد جاء فيه الكفر بمعنى جَحْد المنعم، وترك الشرك على النعم، وترك القيام بالحقوق، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - للنساء: "يكفُرن الإحسان، ويكفرن العشير"، متفق عليه، أي يجحدن حقوق الأزواج وإحسانهم، ومن ها هنا صحّ أن يقال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وسيأتي لهذا مزيد بيان. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (٤).


(١) "كرا" هو الكروان، أو مرخّم الكروان، وهذ مثلٌ يُضرب للذي ليس عنده غَناء، ويتكلّم، فيقال: اسكت، وتوقّ انتشار ما تلفظ به، كراهة ما يتعقبه. اهـ. "مجمع الأمثال" ١/ ٤٣٢.
(٢) هذا مثلٌ يُضرب لكل مشفوق عليه مضطرّ، ويُروى "افتدى مخنوقٌ". اهـ. "مجمع الأمثال" ٢/ ٧٨.
(٣) عجز بيت من معلّقة لبيد، وصدره:
يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرٌ … ..................
(٤) "المفهم" ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣.