للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللهُ-: وقول أبي هريرة -رضي الله عنه-: "لولا الجهاد، والحج، وبرُّ أمِّي … إلخ" تصريح: بأن العبد لا يجب عليه جهاد، ولا حجّ، وهو المعلوم من الشرع؛ لأن الحجّ، والجهاد لا يخاطَب بهما إلا المستطيع لهما، والعبد غير مستطيع؛ إذ لا استقلال له بنفسه، ولا مال؛ إذ لا يملك عند كثير من العلماء، وإن مَلَك عندنا فليس مستقلًّا بالتصرف فيه، ويظهر من تمني أبي هريرة -رضي الله عنه- كونه مملوكًا أنه فضّل العبودية على الحرية، وكأنَّه فَهِم هذا من مضاعفة أجر العبد الصالح، وهذا لا يصحُّ مطلقًا؛ فإن المعلوم من الشرع خلافه؛ إذ الاستقلال بأمور الدين والدُّنيا إنما حصل بالأحرار، والعبد كالمفقود؛ لعدم استقلاله، وكالآلة المصرّفة بالقهر، والبهيمة المسخَّرة بالجبر، ولذلك سُلِب مناصب الشهادات، ومعظم الولايات، ونقصت حدوده عن حدود الأحرار، إشعارًا بخسَّة المقدار، وكونه له أجره مرتين؛ إنما ذلك لتعدد الجهتين؛ لأنه مطالب من جهة الله تعالى بعبادته، ومن جهة سيده بطاعته، ومع ذلك فالحرّ وإن طولب من جهة واحدة، فوظائفه فيها أكثر، وغناؤه أعظم، فثوابه أكبر، وقد أشار إلى هذا أبو هريرة -رضي الله عنه- بقوله: "لولا الجهاد، والحجّ، وبرُّ أمِّي، لأحببت أن أموت عبدًا"؛ أي: لولا النقص الذي يلحق العبد لفوت هذه الأمور. انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللهُ- (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.

٣ - (ومنها): أن برّ الأم فرض، فلا يُترك للعبادة النافلة، ومن هنا أجمع العلماء على أن حج التطوّع لا يجوز بغير إذن الوالدين، وفي الحج المفروض خلاف، فقال مالك، والشافعيّ: لا يجوز للوالدين المنع منه، ولا يمتنع الولد منه إن منعاه، وقيل: لا يجوز الحج حتى يأذن له الوالدان (٢).

٤ - (ومنها): أنه يدل على أن العبد المتقي لله المؤدي لحقّ الله، وحق سيده أفضل من الحرّ، قاله ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللهُ-، وقد تقدّم ما قاله القرطبيّ -رَحِمَهُ اللهُ-، وهو الأقرب، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.


(١) "المفهم" ٤/ ٣٥٧.
(٢) راجع: "تكملة فتح الملهم" ٢/ ٢٤٣.