قالوا: وأما السُّنّة، فما ذُكِر من الأحاديث في هذا الباب، ولو لم يكن في الباب إلا سُنّة الخلفاء الراشدين، لكفى بها دليلًا، وحجةً. قالوا: فالتعزير لا يُعتبر فيه جنس الجناية، ولا قدرها، بل قد يُعزّر بالسوط والعصا، ويكون إنما ضربه بيده، أو رجله، فكانت العقوبة بحسب الإمكان في ذلك أقرب إلى العدل الذي أنزل الله به كُتُبه، وأرسل به رُسُله. قالوا: وقد دلّ الكتاب والسُّنّة في أكثر من مائة موضع على أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشرّ، كما قال تعالى: {جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)} [النبأ: ٢٦] أي: وفق أعمالهم، وهذا ثابتٌ شرعًا، وقدرًا، أما الشرع، فلقوله تعالى:{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} الآية [المائدة: ٤٥]، فأخبر - سبحانه وتعالى - أن الجروح قصاص، مع أن الجارح قد يشتدّ عذابه إذا فُعل به كما فَعَل، حتى يُستوفَى منه. وقد ثبت عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "أنه رضخ رأس اليهوديّ"، كما رضخ رأس الجارية، وهذا القتل قصاص؛ لأنه لو كان لنقض العهد، أو للحرابة لكان بالسيف، ولا يُرضخ الرأس. ولهذا كان أصحّ الأقوال أنه يُفعل بالجاني مثلُ ما فعل بالمجنيّ عليه، ما لَمْ يكن محرّمًا لحقّ الله؛ كالقتل باللواطة، وتجريع الخمر، ونحوه، فيُحَرَّق كما حرّق، ويُلقى من شاهق كما فَعَل، ويُخنق كما خَنَق؛ لأنَّ هذا أقرب إلى العدل، وحصولِ مُسمّى القصاص، وإدراك الثأر، والزجر المطلوب من القصاص، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وإحدى الروايتين عن أحمد.
قالوا: وأما كون القصاص لا يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حدّ، ولا في الطرَف حتى ينتهي إلى مَفصل؛ لتحقّق المماثلة، فهذا إنما اشتُرط؛ لئلا يزيد المقتصّ على مقدار الجناية، فيصير المجنيّ عليه مظلومًا بذهاب ذلك الجزء، فتعذّرت المماثلة، فصرنا إلى الدية، وهذا بخلاف اللطمة، والضربة، فإنه لو قدّر تعدّي المقتصّ فيها لم يكن ذلك بذهاب جزء، بل بزيادة ألم، وهذا لا يمكن الاحتراز منه، ولهذا توجبون التعزير، مع أن ألمه يكون أضعاف ألم اللطمة، والبَرْد من سنّ الجاني مقدار ما كسر من سنّ المجنيّ عليه، مع شدّة الألم، وكذلك قلع سنّه، وعينه، أو نحو ذلك، لا بدّ فيه من زيادة ألم ليصل المجنيّ عليه إلى استيفاء حقّه، فهلّا اعتبرتم هذا الألم المقدّرة زيادته في