للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

قال الحافظ - رَحِمَهُ اللهُ -: لكن يفتقر من قال: إن الرخصة وقعت بعد ذلك إلى أن يُثبت أن حديث بريدة الدالّ على ذلك كان متأخرًا عن حديث عبد الله بن عمرو هذا. انتهى.

[تنبيه] كما قال الإمام البخاريّ - رَحِمَهُ اللهُ - في "صحيحه": "باب ترخيص النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الأوعية والظروف بعد النهي"، قال في "الفتح": ذكر فيه خمسة أحاديث: أولها: حديث جابر، وهو عامّ في الرخصة، ثانيها: حديث عبد اللُّه بن عمرو - يعني: حديثه المذكور عند مسلم هنا - وفيه استثناء المزَفّت، ثالثها: حديث عليّ في النهي عن الدباء، والمزفّت، رابعها: حديث عائشة مثله، خامسها: حديث عبد الله بن أبي أوفى في النهي عن الجرّ الأخضر، وظاهر صنيعه أنه يرى أن عموم الرخصة مخصوص بما ذُكر - في الأحاديث الأخرى، وهي مسألة خلاف، فذهب مالك إلى ما دلّ عليه صنيع البخاريّ، وقال الشافعيّ، والثوريّ، وابن حبيب من المالكية: يُكره ذلك، ولا يحرم، وقال سائر الكوفيين: يباح، وعن أحمد روايتان، وقد أسند الطبريّ عن عمر ما يؤيّد قول مالك، وهو قوله: "لَأَنْ أشرب من قُمْقُم مُحْمًى، فيُحرِق ما أحرق، ويبقي ما أبقى أحبّ إليّ من أن أشرب نبيذ الجرّ"، وعن ابن عباس: "لا يشرب نبيذ الجرّ، ولو كان أحلى من العسل"، وأسند النهي عن جماعة من الصحابة.

وقال ابن بطال - رَحِمَهُ اللهُ - (١): النهي عن الأوعية إنما كان قطعًا للذريعة، فلمّا قالوا: "لا نجد بُدًّا من الانتباذ في الأوعية، قال: "انتبذوا، وكلّ مسكر حرام"، وهكذا الحكم في كلّ شيء نُهِي عَنه بمعنى النظر إلى غيره، فإنه يسقط للضرورة، كالنهي عن الجلوس في الطرقات، فلما قالوا: لا بُدّ لنا منها، قال: "فأعطوا الطريق حقّها".

وقال الخطابيّ - رَحِمَهُ اللهُ - (٢): ذهب الجمهور إلى أن النهي إنما كان أوّلًا، ثم نُسِخ، وذهب جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية باقٍ، منهم ابن عمر، وابن عباس، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، قال الحافظ: كذا أطلق، قال: والأول أصحّ، والمعنى في النهي أن العهد بإباحة الخمر كان


(١) راجع: "شرح ابن بطال على البخاريّ" ٦/ ٥٥.
(٢) راجع: "معالم السنن" ٤/ ٢٤٨.