للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

في زيد بن حارثة على ما تقدم بيانه، وفي قول ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد دليل على أن التبني كان معمولًا به في الجاهلية والإسلام يُتوارث به، ويُتناصر، إلى أن نَسَخ الله ذلك بقوله: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ}؛ أي: أعدل، فرفع الله حكم التبني، ومَنَع من إطلاق لَفْظه، وأرشد إلى أن الأَولى، والأعدل أن يُنسب الرجل إلى أبيه نسبًا.

يقال: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جَلَده وظَرْفه ضمّه إلى نفسه، وجعل له نصيب الذكر من أولاده، من ميراثه، وكان يُنسب إليه، فيقال: فلان ابن فلان.

وقال النحاس: هذه الآية ناسخة لِمَا كانوا عليه من التبني، وهو من نسخ السُّنَّة بالقرآن، فأمر أن يَدْعُوا من دَعَوْا إلى أبيه المعروف، فإن لم يكن له أب معروف نسبوه إلى ولائه، فإن لم يكن له ولاء معروف، قالوا له: يا أخي؛ يعني: في الدّين، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: ١٠]. انتهى (١).

وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللهُ: كان التبنِّي معمولًا به في الجاهلية والإسلام، يُتوارث به، ويُتناصر؛ إلى أن نَسَخ الله تعالى ذلك كله بقوله: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ}: أي: أعدلُ، فرفع الله تعالى حكم التبني، ومنع من إطلاق لفظه، وأرشد إلى أن الأَولى والأعدل أن يُنسب الرَّجل إلى أبيه نسبًا، فلو نُسب إلى أبيه من التبني؛ فإنْ كان على جهة الخطأ -وهو أن يسبق اللسان إلى ذلك من غير قصد - فلا إثم، ولا مؤاخذة، لقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} [الأحزاب: ٥]؛ أي: لا إثم فيه، ولا يجري هذا المجرى إطلاق ما غَلَب عليه اسم التبني؛ كالحال في المقداد بن عمرو؛ فإنَّه قد غلب عليه نسب التبني، فلا يكاد يُعرف إلا بالمقداد ابن الأسود، فإنَّ الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية، وعُرف به، فلما نزلت الآية قال المقداد: أنا ابن عمرو، ومع ذلك فبقي ذلك الإطلاق عليه، ولم يُسمع فيمن مضى من عصَّى مُطْلِق ذلك عليه، وإن كان متعمِّدًا، وليس كذلك الحال في زيد بن حارثة؛ فإنَّه لا يجوز أن يقال فيه: زيد بن محمد، فإن قاله


(١) "تفسير القرطبيّ" ١٤/ ١١٩.