للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

بطريق من النظر والاستدلال؛ بناء منهم على أن هاتين المسألتين نظريّتان، وهذا خطأ فاحشٌ، فالكلّ يُخَطَّئون، الطائفة الأولى بأصل القول بالمسألتين، والثانية بتسليم أن فسادها ليس بضروريّ، ومن شكّ في تكفير من قال: إن الشكّ في الله تعالى واجب، وأن معظم الصحابة، والمسلمين كفّار، فهو كافر شرعًا، أو مُختلّ العقل وضعًا؛ إذ كل واحدة منهما معلومة الفساد بالضرورة الشرعيّة الحاصلة بالأخبار المتواترة القطعيّة، وإن لم يكن كذلك، فلا ضروريّ يُصار إليه في الشرعيّات، ولا العقليّات، عصمنا الله تعالى من بِدَع المبتدعين، وسلك بنا طرُق السلف الماضين، وإنما طوّلت في هذه المسألة الأنفاس من هذه البدع في الناس، ولأنه قد اغترّ كثير من الجهال بزخرف تلك الأقوال، وقد بذلت ما وجب عليّ من النصيحة، والله تعالى يتولّى إصلاح القلوب الجريحة. انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللهُ (١).

قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد القرطبيّ رحمه اللهُ في هذا التحقيق، فإنه بحث نفيسٌ أنيس، والله تعالى وليّ التوفيق.

[تنبيه]: قيل: إن سبب نزول قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)} [البقرة: ٢٠٤] هو الأخنس بن شَرِيق، وكان رجلًا حلو المنطق؛ إذا لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألان له القول، وادَّعَى أنه يحبه، وأنه مسلم، ويُشهد الله على ما في قلبه؛ أي: يحلف، ويقول: الله شاهد على ما في قلبي من محبتك، ومن الإسلام، فقال الله في حقه: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}؛ أي: شديد الجدال، والخصومة، والعداوة للمسلمين، والألد أفعل التفضيل، من اللدد، وهو شدة الخصومة، والخصام المخاصمة، وإضافة الألد بمعنى "في"، أو يُجعل الخصام ألدّ على المبالغة، وقيل: الخصام جمع خصم، كصعب وصعاب، بمعنى: هوأشدّ الخصوم خصومة، قاله في "العمدة" (٢)، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}.


(١) "المفهم" ٦/ ٦٩٠ - ٦٩٤، ببعض تغيير من "الفتح".
(٢) "عمدة القاري" ١٨/ ١١٤.