للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

العالم المحسوس، فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يعني، وهو مما يُنْهَى عنه، وقد يوجب الحيرةَ والشكَّ، ويرتقي إلى التكذيب.

وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يزال الناس يسألون، حتى يقال: هذا خلق الله، فمن خلق اللهَ؟ فمن وجد من ذلك شيئًا، فليقل: آمنت بالله"، وفي رواية له: "لا يزال الناس يسألونك عن العلم، حتى يقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟ "، وفي رواية له أيضًا: "ليسألنكم الناس عن كل شيء، حتى يقولوا: الله خلق كل شيء، فمن خلقه؟ ".

وخرّجه البخاريّ أيضًا، ولفظه: "يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغة، فليستعذ بالله، ولْيَنْتَهِ".

وفي "صحيح مسلم" عن أنس - رضي الله عنه -، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله عزَّ وجلَّ: "إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟، ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ ". وخرّجه البخاريّ، ولفظه: "لم يزل الناس يسألون، هذا الله خالق كل شيء، فمن خلق الله؟ ".

قال إسحاق بن راهويه: لا يجوز التفكر في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكروا في المخلوقين بما سمعوا فيهم، ولا يزيدون على ذلك؛ لأنهم إن فعلوا تاهوا، قال: وقال الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: ٤٤]، ولا يجوز أن يقال: كيف تسبيح القِصَاع، والأَخْونة، والخبز، والمخبوز، والثياب المنسوجة؟ وكل هذا قد صح العلم فيهم أنهم يسبّحون، فذلك إلى الله أن يجعل تسبيحهم كيف شاء، وكما شاء، وليس للناس أن يخوضوا في ذلك، إلا بما علموا، ولا يتكلموا في هذا وشِبهه، إلا بما أخبر الله، ولا يزيدوا على ذلك، فاتقوا الله، ولا تخوضوا في هذه الأشياء المتشابهة، فإنه يُرديكم الخوض فيه عن سنن الحقّ. نَقَل ذلك كله حرب، عن إسحاق رحمه الله تعالى. انتهى ما كتبه ابن رجب رحمه اللهُ (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ، وتحقيقٌ سديد، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}.


(١) "جامع العلوم والحكم" ٢/ ١٧١ في شرح الحديث الثلاثين: "إن الله فرض فرائض، فلا تضيّعوها. . ." الحديث.