للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

وتخلى للعبادة، فكأنه أفرد نفسه بالتبتل إلى الله؛ أي: سبقوا بنيل الزُّلْفَى، والعروج إلى الدرجات الْعُلَى، رُوي بتشديد الراء، وتخفيفها، قال النوويّ في "الأذكار": والمشهور الذي قاله الجمهور: التشديد (١).

وقال القرطبيّ -رحمه الله -: قوله: "سبق المفردون إلخ": وإنما ذكر النبيّ -صلى الله عليه وسلم - هذا القول عقيب قوله: "هذا جُمْدان"؛ لأن جُمْدان جبل منفرد بنفسه هنالك، ليس بحذائه جبل مثله، فكأنه تفرّد هناك، فذكّره بهؤلاء المفرّدين، والله أعلم. وهؤلاء القوم سبقوا في الدنيا إلى الأحوال السنية، وفي الآخرة إلى المنازل العلية. انتهى (٢).

(قَالُوا)؛ أي: الصحابة الذين كانوا معه، (وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) - صلى الله عليه وسلم -: ("الذاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا، وَالذاكِرَاتُ") وفي رواية: "قال: الذين أَهْتَرُوا في ذكر الله -عز وجل-"، وفي رواية: "المستهترون بذكر الله"؛ يعني: الذين أُولعوا به، يقال: أُهْتِر فلان بكذا، واستُهْتِر، فهو مُهْتَر به، ومُستَهْتَر؛ أي: مُولَع به، لا يتحدث بغيره، ولا يفعل غيره، وقيل: أراد بقوله: "أُهتروا في ذكر الله" كَبِروا في طاعته، وهلكت أقرانهم، من قولهم: أُهتِر الرجلُ فهو مُهْتَرٌ: إذا سقط في كلامه من الكِبَر، قاله ابن الأثير -رحمه الله- (٣).

وقال النوويّ -رحمه الله-: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "سبق المفردون إلخ"، هكذا الرواية فيه:

"الْمُفَرِّدون" بفتح الفاء، وكسر الراء المشدّدة، وهكذا نقله القاضي عن متقني شيوخهم، وذكر غيره أنه رُوي بتخفيفها، وإسكان الفاء، يقال: فَرَدَ الرجلُ بالتخفيف، وفَرَّد بالتشديد، وأفرد، وقد فسَّرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بالذاكرين الله كثيرًا، والذاكرات، تقديره: والذاكراته، فحُذفت الهاء هنا، كما حُذفت في القرآن لمناسبة رؤس الآي، ولأنه مفعول يجوز حذفه، وهذا التفسير هو مراد الحديث، قال ابن قتيبة وغيره: وأصل المفرّدين: الذين هلك أقرانهم، وانفردوا عنهم، فبَقُوا يذكرون الله تعالى، وجاء في رواية: "هم الذين أهْتِرُوا في ذكر الله"؛ أي: لَهِجوا به، وقال ابن الأعرابيّ: يقال: فَرَّد الرجلُ: إذا تفقّه،


(١) "فيض القدير" ٤/ ٩٢.
(٢) "المفهم" ٧/ ٩.
(٣) "النهاية في غريب الأثر" ٥/ ٢٤١ - ٢٤٢.