للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا) هو ظلّ على حقيقته، كما دلّ عليه ظاهر النصّ، ولا يُستبعد ذلك، وقال القاري: "في ظلها"؛ أي: في ناحيتها، وإلا فالظل في عُرف أهل الدنيا ما يقي من حرّ الشمس، وأذاها، وقد قال تعالى: {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الإنسان: ١٣]، وقد يقال: المراد بالظل هنا: ما يقابل شعاع الشمس، ومنه ما بينه ظهور الصبح إلى طلوع الشمس، ولذا قال تعالى: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)} [الواقعة: ٣٠]، ويمكن أن يكون للشجرة من النور الباهر ما يكون لِمَا تحته كالحجاب الساتر. انتهى (١).

وقال في "الفتح": قوله: "يسير الراكب"؛ أي: أَيّ راكب فُرِض، ومنهم من حمله على الوسط المعتدل، وقوله: "في ظلها"؛ أي: في نعيمها، وراحتها، ومنه قولهم: عيش ظليل، وقيل: معنى ظلها: ناحيتها، وأشار بذلك إلى امتدادها، ومنه قولهم: أنا في ظلك؛ أي: ناحيتك، قال القرطبيّ: والمحوج إلى هذا التأويل أن الظل في عُرف أهل الدنيا ما يقي من حرّ الشمس، وأذاها، وليس في الجنة شمس، ولا أذى، وروى ابن أبي حاتم، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، عن ابن عباس قال: الظل الممدود شجرة في الجنة، على ساق، قدر ما يسير الراكب المجدّ في ظلها مائة عام، من كل نواحيها، فيخرج أهل الجنة يتحدثون في ظلها، فيشتهي بعضهم اللهو، فيرسل الله ريحًا، فيحرك تلك الشجرة بكل لهو، كان في الدنيا. انتهى (٢).

وقال في موضع آخر: المراد بالظل: الراحة، والنعيم، والجهة، كما يقال: عِزّ ظَلِيل، وأنا في ظلك؛ أي: كنفك، وقال الراغب: الظل أعمّ من الفيء، فإنه يقال: ظل الليل، وظل الجنة، ولكل موضع لا تصل إليه الشمس، ولا يقال: الفيء إلا لِمَا زالت عنه الشمس، قال: ويعبَّر بالظل عن العزّ، والمنعة، والرفاهية، والحراسة، ويقال عن غضارة العيش: ظل ظليل.

قال الحافظ: وقع التعبير في هذا الحديث بلفظ الفيء في حديث أسماء بنت يزيد، عند الترمذيّ، ولفظها: "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول -وذكر سدرة المنتهى-: يسير الراكب في ظل الفيء منها مائة سنة، أو يستظل بظلها الراكب مائة سنة".


(١) "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" ١٦/ ٢١٩.
(٢) "الفتح" ٧/ ٥٤٧.