للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

وقال القرطبيّ رحمه الله: وأمر الله تعالى جبريل عليه السلام أن يسأل نبينا - صلى الله عليه وسلم - عن سبب بكائه؛ ليعلم جبريل تمكّن نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - في مقام الفتوّة (١)، وغاية اعتنائه بأمته - صلى الله عليه وسلم -. انتهى (٢).

٨ - (ومنها): ما قاله أبو العباس القرطبيّ رحمه الله: معنى هاتين الآتين: أن كلّ واحد من إبراهيم وعيسى - عليه السلام - لم يَجزما في الدعاء لعُصاة أممهما، ولم يُجهدا أنفسهما في ذلك، ولم يكن عندهما من فرط الشفقة ما كان عند نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - (٣)، ألا ترى أنهما في الآيتين كأنهما تبرّءا من عصاة أممهما، ولَمّا فَهِمَ نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - ذلك، انبعث بحكم ما يجده من شدّة شفقته ورأفته وكثرة حرصه على نجاة أمته، وبحكم ما وهبه الله تعالى من رِفْعَة مقامه على غيره جازمًا في الدعاء لأمته، مجتهدًا فيه لهم، متضرِّعًا، باكيًا، مُلِحًّا، يقول: "أمتي أمتي"، فِعْلَ المحبّ المستهتِر (٤) بمحبوبه، الحريص على ما يُرضيه، الشفيق عليه، اللطيف به، ثم لم يزل كذلك حتى أجابه الله تعالى فيهم، وبشّره بما بشّره من مآل حالهم، حيث قال الله تعالى: "إنا سنُرضيك في أمتك"، وهو معنى قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)} [الضحى: ٥].

قال بعض العلماء: والله ما يَرضى محمد - صلى الله عليه وسلم -، وواحد من أمته في النار، وهذا كلّه يدلّ على أن الله تعالى خصّ نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - من كَرَم الْخُلُق، ومن طيب النفس، ومن مقام الْفُتُوّة بما لم يخُصّ به أحدًا غيره، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)} [القلم: ٤]: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)} [التوبة: ١٢٨]، صلّى الله عليه أفضل ما صلّى على أحد من خليقته، وجازاه عنّا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله (٥).


(١) "الْفُتُوَّةُ": الْكَرَمُ، قاله في "القاموس" ص ١١٨٨.
(٢) "المفهم" ١/ ٤٥٥.
(٣) كان في الأصل: "ما كان ينبغي لهما"، وهي عبارة لا ينبغي أن تطلق على الأنبياء عليهم السلام، فأبدلتها، فتبصّر.
(٤) أي الْمُولَع.
(٥) "المفهم" ١/ ٤٥٤ - ٤٥٥.