للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

[فإن قيل]: إنما ساغ ذلك؛ لأن الذي دعا بذلك كان أبواه مشركين.

[فالجواب]: أن قول أبي طلحة - رضي الله عنه - كان بعد أن أسلم، وكذا أبو ذر - رضي الله عنه -، وقول أبي بكر كان بعد أن أسلم أبواه - رضي الله عنهم -، انتهى مُلَخصًا.

قال الحافظ: ويمكن أن يُعتَرض بأنه لا يلزم من تسويغ قول ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسوغ لغيره؛ لأن نفسه أعزّ من أنفس القائلين وآبائهم، ولو كانوا أسلموا.

فالجواب ما تقدم من كلام ابن أبي عاصم، فإن فيه إشارةً إلى أن الأصل عدمُ الخصوصية، وأخرج ابن أبي عاصم من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة: "فداكِ أبوكِ"، ومن حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: "فداكم أبي وأمي"، ومن حديث أنس - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال مثل ذلك للأنصار. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم.

ومن فوائد الحديث الباب أيضًا أنه لا عَتْبَ على طالب العلم، المستفتي إذا قال للعالم: أوضح لي الجواب، ونحو هذه العبارة، وفيه جوازُ مراجعة العالم على سبيل الاسترشاد والاعتذار ليتلطف له في جواب لا يشقّ عليه، وفيه تأكيد الكلام، وتفخيمه؛ لِيَعْظُم وَقْعُهُ في النفس. والله تعالى أعلم بالصواب.

وقوله: (وعليكم بالْمُوكَى) هو بضم الميم، وإسكان الواو، مقصورٌ غير مهموز، ومعناه: انبذُوا في السقاء الدقيق الذي يُوكَى، أي يُرْبَط فُوه بالْوِكَاء، وهو الخيط الذي يُرْبَط به.

قال النوويّ رحمه الله تعالى بعد أن انتهى من بيان يتعلّق بالحديث سندًا، ومتنًا ما نصّه: فهذه أطراف مما يتعلّق بهذا الحديث، وهي وإن كانت طويلةً، فهي مختصرة بالنسبة إلى طالبي التحقيق.

ولقد أجاد رحمه الله تعالى في التنبيه، وأحسن المقال في التنويه، فعليك بالجدِّ والاستفادة، وعلوّ الهمة، وصدق العزيمة والإرادة، ولا تَمِلْ إلى الراحة والكسل، فإنه عنوان الفشل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، ومنه التوفيق والعصمة والتفضيل.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: ٨٨].


(١) "فتح الباري" ١٠/ ٦٩٨ رقم باب ١٠٤ حديث رقم (٦١٨٥).