للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

الأرض، وكَرِهَ ذلك الشافعيّ، وكان ابن عبّاس -رضي اللَّه عنهما- إذا سجد يقع شعره على الأرض.

واختَلفوا فيما يجب على من فَعَل ذلك، فكان الشافعيّ، وعطاء يقولان: لا إعادة عليه، وكذلك أحفظ عن كلّ من لقيته من أهل العلم، غير الحسن البصريّ، فإنه كره ذلك، وقال: عليه إعادة تلك الصلاة. انتهى كلام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ- (١).

وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: اتَّفَقَ العلماء على النهي عن الصلاة، وثوبه مُشَمَّر، أو كُمُّه، أو نحوه، أو رأسه معقوصٌ، أو مردود شعره تحت عمامته، أو نحو ذلك، فكل هذا منهيّ عنه باتّفاق العلماء، وهو كراهة تنزيه، فلو صلى كذلك فقد أساء، وصحت صلاته، واحتَجّ في ذلك أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ بإجماع العلماء، وحكى ابن المنذر الإعادة فيه عن الحسن البصريّ.

ثم مذهب الجمهور أن النهي مطلقًا لمن صَلَّى كذلك، سواء تعمده للصلاة أم كان قبلها كذلك لا لها، بل لمعنى آخر، وقال الداوديّ: يختص النهي بمن فَعَل ذلك للصلاة، والمختار الصحيح هو الأول، وهو ظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم، ويدلّ عليه فعل ابن عباس المذكور هنا.

قال العلماء: والحكمة في النهي عنه أن الشعر يسجد معه، ولهذا مثَّله بالذي يصلي، وهو مكتوف. انتهى (٢).

قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "كراهة تنزيه" فيه نظر لا يخفى، فقد وردت الأحاديث بصيغة النهي، كما بيّنها المصنّف وغيره في هذا الباب، ومعلوم أن النهي للتحريم عند جمهور الأصوليين، وهو الحقّ ما لم يصرفه دليلٌ إلى غيره، ولم يذكروا هنا دليلًا لذلك، إلا الإجماع المزعوم، وقد عرفت أنه غير صحيح؛ لمخالفة الحسن البصريّ، فالظاهر أن النهي للتحريم، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: ٨٨].


(١) "الأوسط" ٣/ ١٨٣ - ١٨٤.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ٢٠٩.