للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكانتْ معهُ رايتُهمْ يومَ الفتح (١).

والثلاثةُ كلُّهم- كعبٌ وهلالَ ومرارة- امتُحنوا حينَ تخلَّفوا في غزوةِ تبوك إلى الحدِّ الذي أخبرَ اللهُ عنهمْ في كتابهِ بقوله: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (٢).

وأخبرَ أحدُهمْ (كعبٌ) عن المعاناةِ التي عاشوها والضيقِ الذي لازمهمْ طيلةَ خمسينَ ليلةً إذْ يقول: ونهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسلمينَ عن كلامنا، فاجتنبَنَا الناسُ وتغيَّروا لنا، حتى تنكرتْ في نفسي الأرضُ، فما هيَ التي أعرفُ، فلبثْنا على ذلكَ خمسينَ ليلةً، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشبَّ القومِ وأجلَدَهم، فكنتُ أخرجُ فأشهدُ الصلاةَ مع المسلمين، وأطوفُ في الأسواقِ ولا يكلِّمُني أحدُ، وآتي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فأسلمُ عليهِ وهوَ في مجلسهِ بعدَ الصلاةِ فأقولُ في نفسي: هلْ حرّكَ شَفَتَيهِ بردِّ السلامِ عليَّ أم لا؟ ثمَّ أصلي قريبًا منه، فأسارِقُهُ النظرَ، فإذا أقبلتُ على صلاتي أقبلَ إليَّ وإذا التفتُّ نحوَهُ أعرضَ عني، حتى إذا طالَ عليَّ ذلكَ- من جَفْوةِ الناس- مشيتُ حتى تسوَّرتُ جدارَ حائطِ أبي قتادةَ، وهوُ ابنُ عمي وأحبُّ الناسِ إليَّ فسلمتُ عليه، فواللهِ ما ردَّ عليَّ السلامَ، فقلتُ: يا أبا قتادةَ: أنشُدُكَ بالله، هل تعلَمُني أُحِبُّ اللهَ ورسولَه؟ فسكتَ، فعُدتُ له فنشَدْتُهُ فسَكتَ، فعُدْتُ له فنَشَدْتُه. فقال: اللهُ ورسولُهُ أعلم، ففاضتْ عيناي ..

إنها قمةُ المعاناةِ يعيشها الثلاثةُ ويُعبرُ عنها كعب .. فالأصحاب يَهْجرونَ


(١) ابن الأثير: أسد الغابة ٥/ ٤٠٦.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١١٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>