للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عنوان (الإيمان في خلال القرون)، ولكل دور مميزات ولوازم خاصة، أما الدور فهو دور الفطرة الأولى، حيث كان الإنسان مؤمنًا إيمانًا فطريًا مسوقًا إلى الاخبات والخضوع للخالق بغير سائق، ويمتاز هذا الدور بتنزهه عن الشبهات والشكوك والتردد في أصل الإيمان، يبتدى هذا الدور من مبدأ الخليقة، إلى قبل بعثة المسيح بقرون، لا يمكن تحديدها بالضبط.

أما الدور الثاني فهو دور الفلسفة والحكمة، وفيه فتقت أنوارُ العقل حجبَ الكثافات الطبيعية، وسبر مساتير المجاهيل الوجودية، ليحيط بما خبأته له يد القدر من عالم الشهادة وعوالم الغيوب، يُعرف هذا الدور بتولد الشكوك فيه، وسريان شياطين الشبهات إلى العقول من بعض الأفراد ضد بعض الأصول الاعتقادية، وكان ثوران تلك الشبه نتيجة طبيعية؛ لأن العقل الإنساني لما مال لأن يفتق تلك الحجب التي تمنعه من متابعة شهواته في النفوذ إلى سرائر الموجودات الكونية استلزم لتلك الدفعة أن يطوف من المدركات على ما يلائم درجته من الرقي، فكان الخيال قائده في تلك الرحل الفكرية، وناهيك بعقل يرشده الخيال، لا جرم أنه لا ينال من الحقيقة المطلقة إلا ما يناسب درجته المقيدة، فكان من الضروري أن يصيح به لأن يشرئب إلى ما فوق ذلك، ليعلم أن الحقيقة أبعد مما كان يتوهمه، لذلك بعث الله تعالى عليه روحًا دافعة ظهرت بمظهر الشبهات والشكوك، لتسوقه رغم أنفه إلى غاية ما يمكن إدراكه من معنى اللاهوت الأقدس، وما يتعلق به من شؤون الحضرة الإلهية. من هنا نشبت الحرب بين الفلاسفة ورؤساء الأديان.

أما الدور الثالث فهو دور العلم الطبيعي والفلسفة الحسية، ويبتدى من حوالي القرن الخامس عشر لغاية النصف الأول من القرن التاسع عشر، في هذا الدور استطار لهب الحرب الدينية العلمية بين قادة العلوم الطبيعية وحملة النصوص الاعتقادية، وتحقق الفوز للحزب الأول، وكان ذلك رد فعل لما كان قد حصل من غلواء أنصار الحزب الثاني في الإبعاد عن العلم، ولقد بلغ عدم الاهتمام بالدين عند

<<  <  ج: ص:  >  >>