للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ينفي ما وصل إليه العلم، لا لأنَّها رواية غير مرفوعة للرسول عليه وآله الصلاة والسلام فحسب، بل لاحتمال أن تكون هناك مرحلتان: الأولى فصل الأرض عن السماوات. والثانية فتق كلّ منهما على حدة بالمطر والإنبات.

[كلمتا بنيان وبناء]

ومما يدعو إلى الدهشة التي تأخذ بالآلباب، تعبير القرآن بكلمتي (بناء وبنيان) حيث استعملت كلمة البنيان، لما تعارفه الناس على الأرض. قال الله تعالى: {كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: ٤]، وقال تعالى: {قَالوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} [الصافات: ٩٧]، بينما استعملت كلمة البناء للسماء {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [البقرة: ٢٢]. ترى أهذا مجرد تعبير لا يحمل معه معاني أُخر؟ لو كان ذلك في كلامنا لرضينا. ولكنها كلمات الله المحكمة المنزلة من لدن حكيم خبير. ألا ينبغي أن يدفع ذلك العلماء للبحث والتمحيص، ليتبينوا الفرق بين بنيان الأرض المتلاحم الأجزاء، وبناء السماء المتباعدة أجزاؤه ولكنها مع تباعدها مترابطة ترابط البناء، بما خصها الله من نظام محكم، اهتدى العلماء فيما بعد إلى سره ومعرفته، وأطلقوا عليه اسم الجاذبية (١). ألا إنها آيات الله، يرى الناس من إشعاعاتها كلّ يوم ما يزيدهم نورًا ..

وهكذا نجد عبارات القرآن من الدقة والإيجاز في التعبير لا من حيث اللغة فحسب، بل في مجال العلم ومقاييسه وموازينه: نجد هذا في القرآن كثيرًا، كالرجع والصدع والسبح والبسط والمد. وسيأتي لذلك كله بحث إن شاء الله في الجزء الثالث، عندما أتكلم عن المفسرين ومناهجهم.


(١) الوعي الإسلامي عدد ٤٤، من مقال الأستاذ محمد أحمد الغمراوي.

<<  <  ج: ص:  >  >>