للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

وأجابوا على قوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [فاطر: ١١]. بأن المراد بالمعمّر: طويل العمر، والمراد بالناقص: قصير العمر.

وفي هذا نظر؛ لأنَّ الضمير في قوله: {وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} يعود إلى قوله: {مِن مُّعَمَّرٍ}. والمعنى على هذا: وما يعمَّر من معمَّر، ولا ينقص من عمر ذلك المعمر إلَّا في كتاب. هذا ظاهر معنى النظم القرآنيّ، وأما التأويل المذكور، فإنما يتمّ على إرجاع الضمير المذكور إلى غير ما هو المرجع في الآية، وذلك لا وجود له في النظم.

وقيل: إن معنى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ} ما يستقبله من عمر، ومعنى {وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ}: ما قد مضى. وهذا أيضًا خلاف الظاهر، وأن هذا ليس نقصًا من نفس العمر، والنقص يقابل الزيادة، وههنا جعله مقابلًا للبقيّة من العمر، وليس ذلك بصحيح. وقيل: المعنى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُّعَمَّرٍ} من بلغ من الهرم، {وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} من عمر آخر غير الذي بلغ من الهرم. ويجاب عنه بما تقدّم. وقيل: المعمر من بلغ عمره ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين. وقيل غير ذلك، من التأويلات التي يردّها اللفظ، ويدفعها.

وأجابوا عن قوله تعالى: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} بأن المراد بالأجل الأول الهرم، والثاني الوفاة. وقيل: الأول: ما قد نقص من عمر كل أحد. والثاني: ما بقي من عمر كل أحد. وقيل: الأول: أجَلُ الموت، والثاني أجل الحياة في الآخرة. وقيل: المراد بالأول: ما بين خلق الإنسان إلى موته، والثاني: ما بين موته إلى بعثه. وقيل غير ذلك، مما فيه مخالفة للنظم القرآنيّ.

وذهب جَمْع من أهل العلم إلى أن العمر يزيد، وينقص، واستدلّوا بالآيات المتقدّمة، فإن المحو والإثبات عامّان، يتناولان العمر، والرزق، أو السعادة، والشقاوة، وغير ذلك. وقد ثبت عن جماعة من السلف، من الصحابة ومَن بعدهم أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم: اللَّهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة، فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة فامحني، وأثبتني في أهل السعادة. ولم يأت القائلون بمنع زيادة العمر ونقصانه، ونحو ذلك بما يخصص هذا العموم، وهكذا تدلّ على هذا المعنى الآية الثانية، فإن معناها أنه