للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والنميمةُ عند الصائمين، وهي عند المفطرينَ من بابِ أولى، ولم يعد بعضُ المسلمينَ يتحرجُ من سماعِ الغناء وهو صائم، أو يقضي وقتًا ثمينًا أمامَ مشاهدَ هابطةٍ، لو لم يكن فيها إلا إضاعةُ الوقتِ دونُ فائدةٍ لكانَ ذلك كافيًا في الردعِ عنها، فكيفَ إذا اشتملت على صورٍ هابطةٍ وأفكارٍ رديئة، ودعوةٍ للرذيلةِ! وكيف إذا حالت دون حضورِ الصلاةِ مع جماعةِ المسلمينَ في الصلواتِ المفروضةِ .. أو أَلْهَتْ عن المكوثِ في المساجدِ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار؟ وهل يسوغُ لمسلمٍ يُقدرُ شهرَ رمضان ويعرفُ قدسيةَ الصيامِ أن يظلّ عاكفًا على زُبالاتِ القنواتِ الفضائية، والصائمونَ في ذكرٍ وتلاوة وتهجدٍ واستغفارٍ ودعاءٍ بالأسحار.

يا مسلمُ يا عبدَ الله، إن فرطتَ فيما مضى في الاستفادةِ من شهرِ الصيام، فحنانيكَ العودةَ في هذه الأيام، ودونكَ دعوةَ الجبارِ جلَّ جلالُه لك بالتوبةِ فأجبِ النداءَ، واحمد الله أن سلَّمك حتى تشهدَ رمضانَ، واعلم أنك مخاطبٌ بقوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (١). أفلا ترغبُ الفلاحَ؟ أفلا تجيبُ من خلقكَ فسوَّاكَ فعدَلَكَ؟ أتكذِّبُ بالدِّين؟ أم تظلّ هازلًا ساخرًا متبعًا للشهواتِ حتى في الأيام والليالي الفاضلات؟ أين أنت من ساعةِ ندمٍ لا تنفعُ صاحبَها وأنت تقرأُ في كتاب ربِّك: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (٢).

إنكَ تُعذبُ نفسَك بالمعصيةِ، ولن يطمئنّ قلبُكَ إلا بالطاعةِ والإنابةِ، ومسكينٌ أنتَ إنْ عذبتَ نفسَك في الدُّنيا ثم قُدتَها إلى البوارِ في الآخرةِ، فلا أنت في الدنيا اطمأننتَ .. ولا في الآخرةِ نجوتَ.


(١) سورة النور، الآية: ٣١.
(٢) سورة المؤمنون: الآيتين: ٩٩، ١٠٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>