للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يخصُّ هذه العشرَ، ويجتهدُ فيها أكثرَ من غيرِها، وفي «صحيح» مسلم من حديثِ عائشة رضي اللهُ عنها أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم «كان يجتهدُ في العشرِ الأواخرِ ما لا يجتهدُ في غيرها». وكان عليه الصلاةُ والسلام يوقظُ أهلَه، ويحيي ليلَه، ويَشُدُّ مِئزَره، ولكم في رسولِ الله أسوةٌ حسنةٌ.

عبادَ الله: وإذا كانت أعمارُ أمتِنا محدودةً مقارنةً بالأممِ الأخرى، فقد جعلَ اللهُ لنا في مثلِ هذه الأزمانِ الفاضلةِ ما يعوِّضُ به عن قصرِ أعمارِنا، ومن وفَّقه الله لقيام ليلةِ القدرِ كان كمن عملَ ما يزيدُ عن ثلاثٍ وثمانينَ عامًا، ألا وإن المفرطينَ في هذه الليلة لم يستفيدوا من هذه الفُرصةِ الممنوحةِ لأمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

ألا ويحَ الكسالى ولا نامت أعينُ المفرِّطين؟

إخوةَ الإيمان: وطالما فرَّطنا في قيام الليل - وهو دأبُ الصالحينَ قبلَنا - وفيما أوحي إلى نبيِّنا صلى الله عليه وسلم: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} (١). وجاء في أوصاف المتقين: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (٢). وفي وصفِ الذين يؤمنون بآياتِ الله: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (٣).

عبادَ الله: أين المشمِّرونَ هذه الليالي يدعونَ ربَّهم خوفًا وطمعًا، والفرقُ كبيرٌ بين من تتجافى جنوبُهُم عن المضاجعِ .. وبين منَ يحيونَ الليلَ في سهرٍ صاخب .. أو في سُبات نومٍ عميق، لا تحرّكُ هِمّتَهم المواسمُ - ولا يسمعون لداعي الخير.


(١) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.
(٢) سورة الذاريات، الآيتين: ١٧، ١٨.
(٣) سورة السجدة، الآية: ١٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>