للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكم هو عظيمٌ أن تألفَ النفسُ قيامَ الليلِ في هذه العشرِ الفاضلةِ، فيكونَ ذلك دَيْدَنًا للنفسِ في سائرِ العام.

وكم هو شرفٌ للنفسِ وعِزٌّ لها قيامُ الليل، وفي الحديثِ الحسن: «جاء جبريلُ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمدُ، عِشْ ما شئتَ فإنك ميِّتٌ، واعملْ ما شئتَ فإنكَ مجزيٌّ بهِ، وأحبِبْ من شئتَ فإنكَ مفارقُه، واعلم أن شرفَ المؤمنِ قيامُ الليلِ، وعزّهُ استغناؤه عن الناس» (١).

إنها وصايا جامعةٌ نزلَ بها الروحُ الأمينُ على قلبِ محمدٍ خاتمِ المرسَلين - وهي للأمةِ عامّةً شموعٌ مضيئةٌ .. فأين يا تُرى من يبحثونَ عن شرفِ النفسِ وعِزِّها؟ أين رُهبانُ الليلِ وسهامُهم لا تكاد تخطئ؟

وعن بعضِ السلف: قيامُ الليل يُهوِّن طولَ القيامِ يومَ القيامةِ، ولله درُّ أقوامٍ تعالتْ هِمَمُهم، حتى كادت السنةُ كلُّها أن تكونَ كالعشرِ الأواخرِ عند غيرهم .. تسامتْ نفوسُهم على حُطامِ الدنيا، وحطّوا رحالَهم في الآخرةِ - وهم بعدُ في الدنيا - وحادِيهم يقول - واصفًا لحالهم ومستصرخًا لغيرهم-:

إذا ما الليلُ أظلمَ كابَدُوه ... فيُسفِرُ عنهم وهُم رُكوعُ

أطارَ الخوفُ نومَهم فقاموا ... وأهلُ الأمنِ في الدُّنيا هجوعُ

لهم تحتَ الظلامِ وهُمْ سجودٌ ... أنينٌ منه تنفرجُ الضلوعُ (٢)

أيها الصائمون: إن من عجبٍ أن يبادرَ المحسنونَ، ويتراخى المفرِّطون! أَوَليس أهلُ التفريط - من أمثالنا - أولى بقيامِ الليلِ لسؤالِ المغفرةِ والتكفيرِ عن السيئة على إثرِ السيئةِ؟ !


(١) الأحاديث الصحيحة (٨٣١)، صحيح الجامع الصغير (٧٣).
(٢) أحمد بن صالح الطويان - الدرر الحسان في أحاديث رمضان ٢١٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>