للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأن بذرة المسلمين قد استؤصلت من جذورها، بل بالغ البعض فظن في تلك الحوادث المؤلمة نهاية العالم، واعتبرها آخرون أشد من فتنة الدجال، أجل لقد بقي المؤرخ ابن الأثير- وهو شاهد عيان لبعض أحداثها- عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها وهو يقول: فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا أو كنت نسيًا منسيًا إلا أني حدثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها، وأنا متوقف ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعًا .. فلو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم- عليه السلام- وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا (١).

وبالله لا شك أن من يجيء بعدنا إذا بعد العهد ويرى هذه الحادثة مسطورة ينكرها ويستبعدها، والحق بيده، فمتى استبعد ذلك فينظر أننا سطرنا نحن، وكل من جمع التاريخ في أزماننا هذه في وقت كل من فيه يعلم هذه الحادثة، استوى في معرفتها العالم والجاهل لشهرتها، يسر الله للمسلمين والإسلام من يحفظهم ويحوطهم، فلقد دفعوا من العدو إلى عظيم، ومن الملوك المسلمين إلى من لا تتعدى همته بطنه وفرجه (٢).

هذا الوصف من ابن الأثير وهو بعد لم يشهد الفاجعة العظمى والمصيبة الكبرى لسقوط بغداد ونهاية الخلافة الإسلامية الكبرى على أيدي العباسيين، ويقول ذلك وهو لم يعلم بتجاوز التتر بلاد العراق إلى بلاد الشام وما حصل فيها من المآسي والآثام، تلك الأحداث التي يصفها بجلاء، ويشخص فيها أحوال


(١) الكامل ١٢/ ٣٥٨.
(٢) الكامل ١٢/ ٣٧٥، ٣٧٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>