للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (١). ويجمع الله به القلوب بعد فرقتها، ويجمع به شمل النفوس بعد شرودها وضياعها ويقول له ربه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} (٢).

أيها المسلمون، ويوصي الله بالحلم والرفق، ومجاهدة النفس عليهما وبَيَّن آثارهما، ويقول تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (٣).

قال ابن كثير رحمه الله، أي وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك فإنه يشق على النفوس .. ويقول جل ذكره: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (٤).

ويعلق الإمام الطبري على الآية بقوله: ولمن صبر على إساءة من أساء إليه، وغفر للمسيء إليه جرمه، فلم ينتصر منه وهو على الانتصار ومنه قادر ابتغاء وجه الله وجزيل ثوابه، إن ذلك لمن عزم الأمور ندب الله إليه عباده، وعزم عليهم العمل به.

إخوة الإسلام، ونتيجة جهل الإنسان وضعفه، فقد يتبدى له أحيانًا أن أسلوب الشدة هو أقصر الطرق للوصول إلى هدفه، وأن ممارسة العنف قد تعجل له حصول النتائج التي يرنو إليها .. وليس الأمر كذلك فما يحصل بالحلم والرفق


(١) سورة القلم، الآية: ٤.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.
(٣) سورة فصلت، الآيتان: ٢٤، ٢٥.
(٤) سورة الشورى، الآية: ٤٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>