للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٤ - إنهم جماعة غير معروف عددهم ولا تحديد بلدانهم، أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم بإخبار الله له أنهم على الحق حتى يأتي أمر الله. ولعل هذا هو الراجح من تلك الأقوال ونحن نطمع إن شاء الله أن نكون منهم مادمنا على التمسك بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى منهج سلفنا الكرام.٥ - وفيه قول خامس، أن الجماعة هم جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير (١).إن المنهج الذي يتبعه شيخ الإسلام ابن تيمية في تحديد النطاق العملي للفرقة في الإسلام، يعتمد بالدرجة الأساسية على نظرته الواسعة للأدلة الشرعية، وفهمه الواسع للكتاب والسنة، وهو عندما يبحث في تحديد مفهوم الفرقة لا يبتعد عن هذين الإطارين، فهو ينظر إلى حديث الافتراق باعتباره حديثاً مشهوراً كثر كلام العلماء حوله، ومع ذلك فإن تحديد الفرقة عند ابن تيمية يتعدى تعداد هذه الفرق إلى بيان الفرقة الناجية، إذ يقول في تعليقه على حديث الافتراق: ((ولهذا وصف الفرقة الناجية بأنها أهل السنة وهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم، وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء، ولا تبلغ من هؤلاء قريباً من مبلغ الفرقة الناجية، فضلاً عن أن تكون بقدرها)) (٢).وينبه شيخ الإسلام على ضرورة التحري في إطلاق تسمية (الفرقة الناجية) جزافاً وبدون دليل، فيقول: ((وأما تعيين هذه الفرق فقد صنف الناس فيهم مصنفات وذكروهم في كتب المقالات، لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة هي إحدى الثنتين والسبعين لا بد له من دليل، فإن الله حرم القول بلا علم عموماً، وحرم القول عليه بلا علم خصوصاً)) (٣)، وهذا البيان الذي يقدمه شيخ الإسلام يبين نظرة أهل السنة والجماعة إلى الفرق الأخرى، إذ أن الغالب في تعاملهم معها التحري والتدقيق، في حين أن الفرق الأخرى تطلق هذه المصطلحات جزافاً ودون ورع. ولذلك فكل فرقة من هذه الفرق تدعي أنها هي الفرقة الناجية وأن ما عداها في ضلال وغواية، قال ابن تيمية: ((فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظن والهوى، فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنة والجماعة، ويجعل من خالفها أهل البدع، وهذا ضلال مبين فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم)) (٤).ويعتني شيخ الإسلام عناية كبيرة في تحديد الفرقة الناجية والأدلة الدالة على ذلك، ومن خلال تناوله لحديث الافتراق، يحرص ابن تيمية على تحديد الفرقة الناجية بالمفهوم الصحيح لها، وذلك بالاستشهاد بالكلام النبوي فيقول: إنه صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الفرقة الناجية قال: ((من كان مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي، وفي رواية أخرى قال: هم الجماعة)) (٥)، وهذا التحديد للفرقة الناجية هو الراجح من خلال النظر إلى الأدلة الشرعية، ويعد شيخ الإسلام أهل السنة هم الفرقة الناجية، وإن كان ذلك لا يعني أن جميع الفرق الأخرى هالكة، فيقول: وهذه الفرقة الناجية (أهل السنة) وهم وسط في النحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل (٦)، وبعد هذا التقرير يستند إلى الحديث نفسه.


(١) ((الاعتصام)) – بتصرف (٢/ ٢٦٠ - ٢٦٤)، وقد فصل القول فيها، وانظر ((مجموع الفتاوى)) (٣/ ٣٤٥).
(٢) ((مجموع الفتاوى)) (٣/ ٣٤٥ - ٣٤٦).
(٣) ((مجموع الفتاوى)) (٣/ ٣٤٦).
(٤) ((مجموع الفتاوى)) (٣/ ٣٤٦).
(٥) ((منهاج السنة النبوية)) (٣/ ٤٥٦).
(٦) ((مجموع الفتاوى)) (٣/ ٣٧٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>