للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المبحث الثالث: نشأة الفرق العقلية وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام وانقطاع الوحي بدأ بعض الأفراد بنشر بعض هذه المذاهب الباطلة فهذا معبد بن خالد الجهني أول من تكلم في القدر (١) فقال "لا قدر والأمر أنف" (٢) وقد أخذ ذلك من رجل نصراني من أهل العراق أسلم ثم تنصر اسمه "أبو يونس سنسويه" من الأساورة (٣).وقد أخذ عن معبد هذا غيلان الدمشقي (٤) وهو الذي نشره بين المسلمين وقتل من أجله وقد أنكر عليهم مذهبهم هذا وتبرأ منهم المتأخرون من الصحابة كعبد الله بن عمر وجابر بن عبدالله وأبي هريرة وابن عباس وأنس ابن مالك وعبدالله بن أبي أوفى وعقبة بن عامر الجهني (٥).وأساس فكرة القدرية إنكار القدر وإن للإنسان مطلق الحرية في أفعاله لا سلطان لأحد على إرادته وعلى النقيض من ذلك نشأت فرقة أخرى تقول بأن الإنسان مجبور في أفعاله لا اختيار له ولا قدرة كالريشة المعلقة في الهواء ... وتسمى تلك الفرقة بالجبرية. ونشأت فرق أخرى كثيرة بعد هذا كان من أهمها: فرقة المعتزلة التي أخذت برأي معبد الجهني (٦) من إنكار القدر وأضافت إليه آراء أخرى سنذكرها فيما بعد. ولم تزل العلوم العقلية تنمو وتتسع مع توسع الفتوح الإسلامية وكثرة ترجمة كتب البلاد المفتوحة فتعددت المشارب وتنافست تلك الفرق على المناظرات فيما بينهم والجدل. فإذا علماؤهم لا يتحدثون إلا عن المنطق وحدوده وقضاياه وأقيسته فألفت الكتب وعقدت المناظرات وكثرت المناقشات والمجادلات فإذا بمؤلفاتهم تغص بالمصطلحات الفنية كالجوهر والعرض والهيولي والصورة والقياس والقضايا السالبة والموجبة وقاوم هذا بعض أئمة المسلمين ممن لم يكن له اطمئنان إلى هذه الفلسفة وإلى ألفاظها ومصطلحاتها (٧) ولكي ندرك مقام العقل في خضم هذه المعارك العلمية ينبغي لنا أن نقول أن العقل لم يسلم من مذهب التضاد الذي ساد بين تلك الفرق فذهبت فرقة إلى امتهان العقل واحتقاره واعتقدوا في بعض البله – مع تركه لمتابعة الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله – أنه من الأولياء وفضلوهم على متبعي طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم (٨).واستدلوا لمذهبهم هذا بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ((اطلعت على الجنة فرأيت أكثر أهلها البله)) (٩) وبحديث ((أكثر أهل الجنة البله)) (١٠) وفي هذا قال شاعرهم:

هم معشر حلوا النظام وخرقوا السـ ... ياج فلا فرض لديهم ولا نفل

مجانين إلا أن سر جنونهم ... عزيز على أبوابه يسجد العقل


(١) ((الخطط المقريزية)): تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (٤/ ١٨١) و ((الميزان)) للذهبي (٤/ ١٤١) و ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (١٠/ ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٢) ((تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري)): لابن عساكر الدمشقي (ص١٠).
(٣) ((الخطط المقريزية)): تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (٤/ ١٨١) و ((الميزان)): للذهبي (٤/ ١٤١) و ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (١٠/ ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٤) ((تهذيب التهذيب)): لابن حجر (١/ ٢٣٦).
(٥) ((الفرق بين الفرق)) عبدالقاهر البغدادي (ص١٥).
(٦) ((الفرق بين الفرق)): عبدالقاهر البغدادي (ص٩٨).
(٧) ((الفكر الإسلامي بين الأمس واليوم)) ت محجوب بن ميلاد (ص ٨٦).
(٨) ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص٥٧٣).
(٩) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (١/ ٣١٥) وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) ٢/ ٩٣٤ من حديث جابر. قال ابن عدي: باطل بهذا الإسناد - فيه - أحمد بن عيسى الخشاب عن عمرو بن أبي سلمة. وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)).
(١٠) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٤/ ٣٢٩) والبيهقي في ((الشعب)) (٢/ ٥٨١) قال ابن عدي بهذا الإسناد منكر. وكذلك قال البيهقي.

<<  <  ج: ص:  >  >>