للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ب- أدلة الخوارج من السنة والرد عليها: قدمنا فيما مضى أدلة الخوارج من القرآن الكريم على بدعتهم في تكفير العصاة من أهل الذنوب، والآن سنستعرض أدلتهم من السنة النبوية مع إبطال ما استدلوا به ورد شبهاتهم حول الأحاديث التي استندوا إليها في تلك البدعة (١).

ومن هذه الأحاديث:١ - حديث أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه عند البخاري ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن)) (٢). فقد فهم الخوارج من هذا الحديث نفي الإيمان عن مرتكبي هذه المعاصي نفيا تاما، وإذا نفي عنهم الإيمان فإنهم يكونون من الكفار ذلك أن الكفر والإيمان نقيضان إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر. والواقع أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني .. إلخ)) (٣) - جاء مقيدا لنفي الإيمان بحين مواقعة الزنا، ومقتضاه كما يقول ابن حجر: "أنه لا يستمر بعد فراغه" قال: "وهذا هو الظاهر" (٤).

ويؤيد هذا ما ورد من روايات كثيرة عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما تفيد رفع الإيمان عن الشخص المقترف لجريمة الزنا في حالة مواقعته له ويكون فوقه كالظلة، فإذا أقلع عاد إليه. وهذا المعنى على فرض أن الحديث لا كلام في صحته، بينما الواقع أن فيه كلاما كثيرا للعلماء، قال الطبري: "اختلف الرواة في أداء لفظ هذا الحديث وأنكر بعضهم أن يكون صلى الله عليه وسلم قاله" (٥).ويرى ابن حجر أن الحديث مصروف عن ظاهره وذلك لاختلاف الحكم في حد الزنا وتنوعه، فقال: "ومن أقوى ما يحمل على صرفه عن ظاهره إيجاب الحد في الزنا على أنحاء مختلفة، في حق الحر المحصن والحر البكر وفي حق العبد، فلو كان المراد بنفي الإيمان ثبوت الكفر لاستووا في العقوبة؛ لأن المكلفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء" (٦).


(١) انظر: ((العقود الفضية)) (ص٢٨٦).
(٢) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧).
(٣) رواه البخاري (٥٥٧٨)، ومسلم (٥٧).
(٤) ((فتح الباري)) (١٢/ ٥٩).
(٥) ([٨٦٤٩]) نقلا عن ((فتح الباري)) (١٢/ ٥٩).
(٦) ((فتح الباري)) (١٢/ ٦٠)).

<<  <  ج: ص:  >  >>