للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المبحث السادس: رأي المعتزلة في بعثة الرسل]

وجه اتصال بعثة الرسل بأصل العدل: يقول القاضي عبد الجبار: "ووجه اتصال بعثة الرسل بباب العدل: هو أن الكلام في أنه تعالى إذا علم أن صلاحنا يتعلق بهذه الشرعيات, فلا بد أن يعرفناها, لكي لا يكون مخلا بما هو واجب عليه, ومن العدل أن لا يخل بما هو واجب عليه" (١)

رأي المعتزلة في بعثة الرسل

لمعرفة رأي المعتزلة في بعثة الرسل لابد أن نسوق شيئا من أقوالهم أو أقوال من نقل عنهم، فنقول وبالله التوفيق. يقول القاضي عبدالجبار: " ... إن البعثة متى حسنت وجبت على معنى أنها متى لم تجب قبحت لا محالة ... " (٢).ويقول في موضع آخر: "اعلم أنه إذا صح أن الذي يبعث له الرسول، تعالى هو ما ذكرناه من تعريف المصالح ... فلا شبهة في أن ذلك واجب كما أنه إذا كلف المكلف فلابد من أنه يجب التمكين وإزاحة العلل ... " (٣).ويقول في موضع ثالث: " ... يجب على كل حال بعثة الرسل؛ لأنه لا فرق بين أن يحتاج إليها في الشروط التي لا تتم العبادات إلا بها، أو في نفس العبادات ... " (٤).ويقول الغزالي – وهو يحكي رأي المعتزلة في بعثة الرسل-: "وقالت المعتزلة أن بعثة الأنبياء واجبة" (٥).

من هذه الأقوال: يظهر أن المعتزلة ترى وجوب بعثة الرسل على الله؛ لأنها من مقتضيات عدله؛ إذ أن فيها صلاحنا، وقد علم الله ذلك، فلو لم يبعث رسولاً لأخل بما هو واجب عليه. والله يتنزه عن ذلك.

مناقشة رأي المعتزلة في بعثة الرسل

عرفنا آنفاً – عند عرض رأي المعتزلة في بعثة الرسل – أن المعتزلة يرون وجوب بعثة الرسل على الله، ولو لم يفعل؛ لأخل بما هو واجب عليه. ويقال لهم: ما مرادكم بالواجب هنا؟ إن كنتم تريدون واجباً على الله أوجبه الغير عليه، فهذا باطل؛ لأنه يستحيل موجب يوجب على الله شيئاً (٦)، لمنافاته مشيئة الله واختياره المطلق في مخلوقاته، ولأن في ترك هذا النوع من الواجب: إما حصول مضرة أو فوات منفعة أو لزوم محال. والله تعالى يتنزه عن ذلك كله، فإنه لا ينتفع بإرسال الرسل، ولا يتضرر بترك إرسالهم، ولا يلزم من عدم إرسالهم محال بالنسبة له تعالى (٧).

وإذاً فالقول بوجوب بعثة الرسل من هذا الوجه باطل.

بقي الواجب الذي أوجبه سبحانه وتعالى على نفسه بمقتضى وعده وعدله وحكمته؛ وهو أنه تعالى لا يعذب إلا بعد إرسال الرسل قال تعالى: ... وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: ١٥]. وقال تعالى: ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام: ١٣١]. وقال تعالى: رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٦٥]. وإذا كان مرادكم بوجوب بعثة الرسل من هذا الوجه؛ فنحن نوافقكم عليه. يقول ابن القيم: "إن تعذيب الله لمن يريد تعذيبه، لا يكون إلا بعد إرسال الرسل؛ أما قبل ذلك، فإنه لا يريد هلاكهم؛ لأنهم معذورون بغفلتهم وعدم بلوغ الرسالة إليهم. قال تعالى: ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام: ١٣١] ... " (٨).

ثم إن هذا الواجب من باب التفضل لأن الله تعالى تفضل به ولم يوجبه أحد عليه، ولا يلزم منه أن الله تعالى لو لم يفعله لأخل بما هو واجب عليه؛ وإلا انتفت مشيئة الله واختياره المطلق.

وإذاً فإرسال الرسل منة من الله وفضل، وليس من قبيل الواجب الذي أوجبه الغير عليه بحيث لو لم يفعله لأخل بما هو واجب عليه.

المصدر:المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ٢٠٤


(١) ((شرح الأصول الخمسة)) (ص ٥٦٣).
(٢) ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٥٦٤).
(٣) ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (١٥/ ٦٣).
(٤) ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (١٥/ ٢٨).
(٥) ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص١٩٥).
(٦) انظر ((التبصير في الدين)) (ص٧٩).
(٧) انظر ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص١٧٥).
(٨) ((شفاء العليل)) (ص٢٨١).

<<  <  ج: ص:  >  >>