للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المبحث الثاني: معنى الصوفية والتصوف اصطلاحاً

إذا أردنا أن نعرف التصوف في الاصطلاح فلا بد من الرجوع إلى أقوال الصوفية في ماهية التصوف وكذلك أقوال أصحاب الطرق.

ومنذ نشأة الصوفية إلى يومنا هذا حدث في التصوف تشعبات كثيرة وانحرافات عن منهج الأوائل وكثرت أقوالهم في حقيقة التصوف إلى ما يزيد على ألف قول، وكل قول من هذه الأقوال يشير إلى أهم جانب في التصوف عند قائله سواءً بالنظر إلى الطريقة أو الخلق أو الغاية، أو بالنظر إلى حاجة الصوفي أو من حوله وبالنظر إلى حاله والخطأ الذي يريد أن يقومه ولا تخلو أقوالهم من جانب في الجوانب التالية:

١ - التصوف بمعنى الزهد:

- قال سمنون: التصوف أن لا تملك شيئا ولا يملكك شيء.

- وقال معروض الكرخي: التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق

- وقال النوري: التصوف من لا يتعلق بشيءٍ ولا يتعلق به شيء.

- وقال ذو النون المصري: الصوفي من لا يتعبه طلب ولا يزعجه سلب.

٢ - التصوف بمعنى الأخلاق:

- قال أبو محمد الجريري: التصوف الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دنى.

- وقال الكتاني: التصوف خُلق فمن زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الصفاء.

٣ - التصوف بمعنى الصفاء:

- قال سهل بن عبد الله: الصوفي من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، وانقطع إلى الله عن البشر واستوى عنده الذهب والمدر.

- وقال بشر الحافي: الصوفي من صفا لله قلبه.

- وقال الشبلي: التصوف الجلوس مع الله بلا هم.

٤ - التصوف بمعنى المجاهدة:

- قال الجنيد: التصوف عنوة لا صلح فيها. والمراد بالعنوة الجد والتعب والمراغمة.

- وقال عمرو بن عثمان المكي: التصوف أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في الوقت.

٥ - التصوف التزام بالشريعة: - قال أبو حفص: حسن آداب الظاهر عنوان حسن آداب الباطن لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((لو خشع قلبه لخشعت جوارحه)) (١).

- وقال الجنيد: التصوف بيت والشريعة بابه.

- وقال محمد بن أحمد المقرئ: التصوف استقامة الأحوال مع الله.

- وقال أبو عمر بن الجنيد: التصوف الصبر تحت الأمر والنهي.

٦ - التصوف بمعنى التسليم الكامل لله:

- قال الأستاذ أبو سهل الصعلوكي: التصوف الإعراض عن الاعتراض.

- وقال رويم: التصوف استرسال النفس مع الله تعالى على ما يريده.

- وقال أبو يعقوب المزايلي عن التصوف: حال تضمحل فيه معالم الإنسانية.

٧ - التصوف بمعنى الإخلاص " الغاية وجه الله ":

- قال الجنيد: التصوف أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة.

- وقال ذو النون المصري: أهل التصوف هم قوم آثروا الله عز وجل على كل شيء، فآثرهم الله على كل شيء.

- وقال أبو الحسين النوري: التصوف ترك نصيب النفس جملة ليكون الحق نصيبها.

٨ - التصوف بمعنى الارتباط الروحي بالله:

- قال أبو نصر الحصري: الصوفي الذي لا تقله أرض ولا تظله سماء.

- وقال أبو الحسن الخرقاني: ليس الصوفي بمرقعته وسجادته، ولا برسومه وعاداته بل الصوفي من لا وجود له.

- ونُسب إلى الجنيد قوله: التصوف هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به.

٩ - التصوف ترك التكلف والشكليات:

- قال الجنيد: إذا رأيت الصوفي يعنى بظاهره فاعلم أن باطنه خراب.

وقال حماد الدينوري: التصوف أن تظهر الغنى وأن تؤثر أن تكون مجهولاً حتى لا يعرفك الخلق وأن تكف عن كل ما لا خير فيه.

١٠ - التصوف بمعنى الطريق المخصوص للسالكين:

- قال الجنيد: الصوفية هم أهل بيت واحد، لا يدخل فيهم غيرهم.

- وقال أبو سليمان الداراني: التصوف أن تجري على الصوفي أعمال لا يعلمها إلا الحق وأن يكون دائماً مع الحق على حال لا يعلمها إلا هو.

وبالنظر في الأقوال المتقدمة نجد أن كل تعريف من تعريفات أئمة التصوف والمنتسبين إليه يشير إلى جانب من الجوانب، وهذه الجوانب مجتمعة تشير إلى جوانب عظيمة من جوانب هذا الدين فالتصوف السني ينبغي أن يتوفر فيه جميع ما ذكر من زهد وإخلاص ومجاهدة وخلق كريم وتسليم لرب العالمين والتزام بشرعه وترك للتكلف، وأن يلتزم المنتسب إلى الله تعالى بالعبادة الدائمة لله عز وجل كما أمر، والبعد عن كل ما نهي الشارع عنه، وعن البدع المضلة وعن الفكر الغريب والفلسفات الباطلة.

ويترجح لدينا بعد عرض تلك التعريفات تعريف ابن خلدون للتصوف لأنه يدل دلالة واضحة على معاني التصوف المتعددة وعلى أحوال الصوفية واهتماماتهم وهو " العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة ".

المصدر:مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي محمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ١٣ - ١٦


(١) قال العراقي في تخريج أحاديث)) الإحياء (((٤٠١) أخرجه الترمذي الحكيم في النوادر من حديث أبي هريرة بإسناده ضعيف والمعروف أنه من قول سعيد، وقال المناوي في)) الفتح السماوي (((٢/ ٨٥٤): إسناده ضعيف، وقال الألباني في)) الإرواء (٢/ ٩٢) موضوع

<<  <  ج: ص:  >  >>