للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المبحث الرابع: حكم مرتكب الكبيرة عند الأشاعرة]

حديث شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن قول الأشاعرة في مرتكب الكبيرة يفيد أنهم في ذلك فريقان:

الفريق الأول: موافق لما عليه عامة المرجئة في مرتكب الكبيرة.

وهذه هي المقالة التي نسبها شيخ الإسلام إلى الأشاعرة، وإلى إمامهم أبي الحسن الأشعري. فقد ذكر شيخ الإسلام أن أبا الحسن الأشعري" نصر مذهب أهل السنة في أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة، ولا يخلدون في النار، وتقبل فيهم الشفاعة، ونحو ذلك" (١).وأنه "رجع إلى مذهب أهل الإثبات الذين يثبتون الصفات، والقدر، ويثبتون خروج أهل الكبائر من النار، ولا يخرجون أحدا من الإيمان" (٢).

وعن موقف الأشاعرة عامة يقول: "وأما أهل السنة والجماعة والصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر طوائف المسلمين من أهل الحديث والفقهاء، وأهل الكلام من مرجئة الفقهاء، والكرامية، والكلابية، والأشعرية، والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم، فيقولون: إن الشخص الواحد قد يعذبه الله بالنار ثم يدخله الجنة، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة.

وهذا الشخص الذي له سيئات عذب بها، وله حسنات دخل بها الجنة، وله معصية وطاعة باتفاق هؤلاء الطوائف لم يتنازعوا في حكمه، لكن تنازعوا في اسمه:

فقالت المرجئة - جهميتهم، وغير جهميتهم -: هو مؤمن كامل الإيمان. وأهل السنة والجماعة على أنه ناقص الإيمان" (٣).

ولما قال ابن المطهر الرافضي: "إن الله يثيب المطيع، ويعفو عن العاصي، أو يعذبه".علق شيخ الإسلام على ذلك بقوله: "فهذا مذهب أهل السنة الخاصة، وسائر من انتسب إلى السنة والجماعة، كالكلابية، والكرامية، والأشعرية، والسالمية، وسائر فرق الأمة من المرجئة (٤)، وغيرهم، والخلاف في ذلك مع الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون بتخليد أهل النار" (٥).

وأما أصل الضلال في هذه المسألة، فقد سبق قول شيخ الإسلام:

"وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء، ثم ذكر رأي الخوارج والمعتزلة، ثم قال:"وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان؛ إذ لو ذهب شيء منه لم يبق شيء، فيكون شيئا واحدا يستوي فيه البر والفاجر" (٦).

ومما تقدم يعلم أن المشهور عن الأشاعرة هو موافقة سائر المرجئة في مرتكب الكبيرة.

الفريق الثاني: الواقفة، ومنهم القاضي أبو بكر الباقلاني.

ومذهبهم يشرحه شيخ الإسلام بقوله:

"وكثير من متكلمة المرجئة تقول: لا نعلم أن أحدا من أهل القبلة من أهل الكبائر يدخل النار، ولا أن أحدا منهم لا يدخلها، بل يجوز أن يدخلها جميع الفساق، ويجوز أن لا يدخلها أحد منهم، ويجوز دخول بعضهم.


(١) ((الإيمان)) (ص١١٥) ((الفتاوى)) (٧/ ١٢٠).
(٢) ((بيان تلبيس الجهمية)) (٢/ ٨٨).
(٣) ((الإيمان)) (ص٣٣٨) ((الفتاوى)) (٧/ ٣٥٤).
(٤) فيدخل فيهم الماتريدية، وانظر: ((الماتريدية))، للحربي، (ص٤٨٥ - ٤٨٦).
(٥) ((منهاج السنة)) (٢/ ٣٠٢)؛ وانظر: ((عقيدة الشيرازي))، الملحقة بكتابه: ((الإشارة إلى مذهب أهل الحق))، تحقيق محمد الزبيدي، الطبعة الأولى ١٤١٩هـ، دار الكتاب العربي ببيروت، (ص٢٩٨ - ٢٩٩)؛ و ((أصول الدين))، للبزدوي، (ص١٣١، ١٣٨).
(٦) ((الإيمان)) (ص٢١٠) ((الفتاوى)) (٧/ ٢٢٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>