للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلت: ولكن بقيت من أصولها الفكرية الأصل الذي يغالي في دور العقل في أمور الشريعة وأصبح مناراً يهدي العقلانيين إلى سبيل الرشاد! ويدفعهم عن طريق الفساد!. ثم جاء بعد المعتزلة آحاد الفلاسفة الإسلاميين المفترقين مكاناً وزماناً فزادوا في الميل إلى تلك المعقولات فكانت هي رأس مالهم. ولقد كانوا كما قال أحمد أمين (فلاسفة أولاً ودينيين آخراً. لا ينظرون إلى الدين إلا عند ما تتعارض نظرية فلسفية مع الدين فيجدوا للتوفيق بينهما) (١). فلذا لم يؤثروا في حياة المسلمين كتأثير المعتزلة الذي خلطوا الدين بالكلام وموًّهواً على المسلمين بنصرة دينهم. وإنما اندثرت أفكارهم النظرية بموتهم فلم تبن مجتمعاً ولم تُقم على سلطة ولكنهم تلازموا وإياهم في تعظيم (العقل) لأنه كما قلت بضاعتهم الوحيدة، فهذا الرازي يتحدث كثيراً عن العقل في كتبه. ويأتي بعده ابن سينا فيغلو في العقل إلى أن أطلقه على الله تبارك وتعالى. وأقربهم مودة إلى العقلانيين فيلسوف المغرب ابن رشد. إذن بعد موت المعتزلة لم تقم فرقة واحدة تدعو إلى إعلاء العقل على حساب غيره وإنما لم تخل الأمة من أفراد يرفعون أصواتهم بين الحين والآخر مطالبين بتلك الفكرة لأسباب متنوعة. ويحضرني منهم فيلسوف المعرة – كما يُسَمّى- الشاعر أبا العلاء المعري. وهو من ملاحدة الشعراء في كثرة اعتراضه على الشرع بل على الديانات كلها. وتمجيده للعقل والإيمان الإلهي المجرد يقول عنه طه حسين (لا يؤمن إلا للعقل وحده فخالف بهذا أهل السنة لأنهم يقدسون الشرع على العقل وإن آمنوا به وخالف مذهب المعتزلة لأنهم على تقديسهم للعقل يتخذون الشرع لنظرهم أصلاً ودليلاً يعتزون به ويلجئون إليه) (٢). ويقول الدكتور عمر فروخ (يعتقد المعري أن من اتسع عقله لم يضل هذا إذا كان له عقل! أما إذا لم يكن له عقل فهو يعمل أعماله بالتقاليد أو يساق إليها كالعجماوات. ولم يكتف المعري بأن يحكم العقل في الأمور التي جرت العادة بتحكيمه فيها بل أراد أن يكون العقل والفكر في أكثر الأغراض التي تناولها المعري في لزومياته حتى في العبادات وهو في كل ذلك يزدري شيئين ازدراءً شديداً التقليد والأخبار المروية. ولذلك تراه يتلقى كل خبر مروي أو كل عادة شائعة بميزان العقل) (٣).

قلت: وهذا مصدق لما نبهتك عليه سابقاً من أن انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة كان صارفاً لبعض الجهلة في الحديث – كالمعري مثلاً – إلى إعظام دور العقل. فهو يقول ناصحاً للأمة:

خذوا في سبيل العقل تهدوا بهديه ... ولا يرجون غير المهيمن راج

ولا تطفئوا نور المليك فإنه ... ممتع كل من حجا بسراج (٤)

ويقف متحيراً أمام بعض الأحاديث الضعيفة التي تخالف العقل فيقول:

جاءت أحاديث إن صحت فإن لها ... شأناً ولكن فيها ضعف إسناد

فشاور العقل واترك غيره هدراً ... فالعقل خير مشير ضمه النادي (٥)

أي لا تتعب نفسك بدراسة علم الحديث ومصطلحه وإنما انبذ ذلك كله وشاور عقلك!.

ويقول:

عليك العقل وافعل ما رآه ... جميلاً فهو مشتار الشوار (٦)

وهو الإمام والقائد للإنسان

كذب الظن لا إمام سوى ... العقل مقيماً في صبحه والمساء (٧)

ويبلغ الغلو في تمجيد العقل عند هذا الملحد إلى أن ينزله منازل الأنبياء! كما صنع المعتزلة بالنصوص فهو يقول:

أيها الغِر إن خُصصت بعقل ... فاسألنه فكل عقل نبي! (٨)


(١) ((ضحى الإسلام)) (٣/ ٢٠٤).
(٢) ((تجديد ذكرى أبي العلاء)) (٢٣٩).
(٣) ((تاريخ الفكر العربي)) (٤٤٨).
(٤) ((لزوم ما لا يلزم)) (١/ ٣٦٦).
(٥) ((لزوم ما لا يلزم)) (١/ ٥٠٠).
(٦) ((لزوم ما لا يلزم)) (٢/ ٧٥٦).
(٧) ((لزوم ما لا يلزم)) (١/ ٦١).
(٨) ((لزوم ما لا يلزم)) (٣/ ١٧١٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>