للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولو أنهم سلموا لنصوص الكتاب والسنة لكفتهم في ذلك، ولانتشلتهم من ورطة التعطيل، فإن هذه أمور لا يتوصل إليها بمجرد العقل، والله تعالى قد أثبت أزلية وخلق العالم بأحسن البراهين وأقوى الحجج: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [المرسلات:٥٠]؟

ونحن لا نناظر المعتزلة في دفع هذه الأباطيل بمحدثات من الأقوال والأصول، ولا نسلم لهم قولهم ودعواهم، وإنما نرفض ذلك أشد الرفض، ونقول: هو بدعة ضلالة لما جرت إليه من الكفر والباطل – شأن سائر البدع – ولا نسلك مسلك أهل البدع في الرد عليهم ومناظرتهم شأن الأشعرية والماتريدية أتباع ابن كلاب والأشعري والماتريدي، فإن هؤلاء أرادوا نقض ضلالات المعتزلة بنفس طريقتهم، فتراهم تابعوهم في هذا الأصل الذي ذكرناه عنهم، فتسلطت عليهم به المعتزلة وأظهرت تناقضهم. وصدق فيهم شيخ الإسلام حين قال: "فهم قصدوا نصر الإسلام بما ينافي دين الإسلام" (١).

وأصل المعتزلة الذي ابتدعوه أوقعهم في قياس صفة الخالق على المخلوق وصفته، فإنهم إنما بنوا أصلهم على ما عهدوه في المخلوق من أحوال وصفات، فحسبوا أن ذلك يلحق صفو من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فقاسوا ما لم يحيطوا به علماً على ما حصلوه من الظنون والأوهام التي حسبوها غاية العلوم.

وهذا من أعظم ما أدخله الشيطان – لعنه الله – من التلبيس على هؤلاء، زين لهم ابتداع أصول لم ترد في كتاب ولا سنة، فالتزموها، والتزموا بسببها خلاف الشريعة، فجعلوها الحاكم على الكتاب والسنة، ومن تلك الأصول الفاسدة هذه الدعاوى المجردة عن البرهان مما هو محض العقول الزائفة، القفر من نور الوحي.

فكل ما أوردوه مما سموه "معقولاً" ليستدلوا به على خلق القرآن هو من قياس صفة الخالق على صفة المخلوق، وهو كفر بالله تعالى، فإنه كما لا شبه له في ذاته فلا شبه له في صفاته، وهذا مقرر في موضعه.

فهذه أظهر ما استدل به الجهمية والمعتزلة من الحجج (!) وأبينها وأقواها عندهم، وقد بان لك زيفها وبطلانها، وقارنها بما سبق ذكره من الأدلة لاعتقاد أهل السنة والجماعة، يجل لك الحق بذلك وتعلم استقامة منهج أهل السنة، واتباع أهل البدع للأهواء والظنون. وصدق شيخ الإسلام – وهو بهم خبير – في قوله: "وليس مع هؤلاء عن الأنبياء قول يوافق قولهم، بل لهم شبه عقلية فاسدة" (٢).

المصدر:العقيدة السلفية في كلام رب البرية لعبدالله يوسف الجديع - ص ٣٠٥


(١) ((مجموع الفتاوى)) (١٢/ ١٨٥).
(٢) ((مجموع الفتاوى)) (١٢/ ٤٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>