للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي هذه الآية رد على من زعم أن الأصل في البشرية الشرك والتعدد في الآلهة ثم كان التوحيد. بل الأصل التوحيد ثم كان الشرك ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس: ١٩].يقول الإمام أبو جعفر محمد الطبري: فإن دليل القرآن واضح على أن الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة إنما كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين الحق دون الكفر بالله والشرك به وذلك أن الله عز وجل قال في السورة التي يذكر فيها يونس: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس:١٩] فتوعد الله عز وجل ذكره على الاختلاف لا على الاجتماع ولا على كونهم أمة واحدة ولو كان اجتماعهم قبل الاختلاف كان على الكفر ثم كان الاختلاف بعد ذلك لم يكن إلا بانتقال بعضهم إلى الإيمان ولو كان ذلك كذلك لكان الوعد أولى بحكمته الله عز وجل ثناؤه في ذلك الحال من الوعيد لأنها حال إنابة بعضهم إلى طاعته ومحال أن يتوعد في حال التوبة والإنابة ويترك ذلك في حال اجتماع الجميع على الكفر والشرك (١).وقيل: إن المراد بالأمة هو آدم عليه السلام فكان آدم على الحق إماما لذريته (٢).وسواء كان معنى الأمة: الدين الخالص لله تعالى أو معناه آدم لما قام بهذا الدين الخالص واجتمع ولده على هذا الدين لحين الاختلاف فهذا يؤكد أن الأصل في البشرية الاجتماع على التوحيد وأن الفرقة حلت بالبشرية حينما تركت هذا الأصل فطرأ الشرك بالله تعالى (٣).

وفي هذا تنبيه لأولي الألباب أن تحقق الجماعة المسلمة لا يكون إلا على التوحيد لله رب العالمين وفيه تحذير من الإخلال بهذا التوحيد أو الإتيان بما يؤثر فيه أو ينقصه أو يذهبه من شركيات وبدع لأن ذلك سيؤدي إلى الفرقة المذمومة المحذر منها.

ولما كانت الجماعة لا تتحقق إلا بالاجتماع على التوحيد الخالص لله تعالى كانت هذه وصية الله لأنبيائه ورسله وهذا ما سيتضح في النقطة الآتية إن شاء الله.

المصدر:موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص١٥٦ - ١٥٨


(١) انظر: ((تفسير الطبري)) (٤/ ٢٨٠).
(٢) انظر ((تفسير الطبري)) (٢/ ٩٥) ((زاد المسير)) لابن الجوزي (١/ ٢٢٩).
(٣) انظر في ذلك: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (٢٠/ ٦١).

<<  <  ج: ص:  >  >>