للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر رضي الله عنه لا يساويه تصديق آحاد الناس، ولهذا قال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل" (١) اهـ.

ويتبين لنا مما تقدم أن الأشاعرة اختلفوا في زيادة الإيمان ونقصه على النحو التالي:١ - أن الإيمان هو التصديق، وهو لا يزيد ولا ينقص، ولهم في ذلك حجة عقلية بحتة وهي أن الإيمان عبارة عن التصديق الجازم البالغ حد اليقين. واليقين لا يقبل التفاوت، لأن التفاوت فيه إنما هو لاحتمال النقيض، واحتمال النقيض الذي هو الشك ينافي اليقين. وهذا قول جماعة قليلة من الأشاعرة وينسب إلى أبي الحسن الأشعري نفسه، وهو غير صحيح، لأن ما صرح به في كتاب (الإبانة) الذي هو آخر ما صنف يثبت أنه يقول بزيادة الإيمان ونقصه (٢) كما أسلفنا.

٢ - أن الإيمان الذي هو التصديق أيضاً يزيد وينقص، ولأصحاب هذا القول مسلكان: أ- القول بأن التصديق نفسه يزيد وينقص، فيصح إطلاق القول بالزيادة والنقصان على الإيمان بحسب الذات الذي هو التصديق، وبحسب المتعلق، وهو أفراد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يجب الإيمان به، وقد استدل هؤلاء على كلا الأمرين. فاستدلوا على زيادة التصديق وقد استدل هؤلاء على كلا الأمرين. فاستدلوا على زيادة التصديق ونقصانه بحسب ذاته بدليل عقلي وآخر نقلي، فدليلهم العقلي هو "أن التصديق القلبي يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة، وعدم ذلك، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريه الشبه، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقيناً وإخلاصاً منه في بعضها، فكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها" (٣).

أما ما استدلوا به من النقل فقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] فاطمئنان القلب الذي هو أقصى درجات التصديق هو ما قصده إبراهيم عليه السلام وإلا فهو مصدق دون شك.

كما استدلوا على أن الإيمان يزيد وينقص بحسب متعلقه بأن التصديق التفصيلي في إفراد ما وجب عليه الإيمان به جزء من الإيمان يثاب عليه، كما يثاب على تصديقه بالكل. وأضافوا إلى ذلك الآيات المصرحة بزيادة الإيمان. ولاشك أن القابل للزيادة قابل للنقصان.

ب- المسلك الثاني: القول بأن الإيمان يزيد وينقص بحسب متعلقه فقط، أما التصديق نفسه فلا يزيد ولا ينقص، وقد ذهبوا هذا المذهب ليكون جمعاً بين رأي السلف القائل بأن الإيمان يتجزأ والتصديق داخل فيه، وقول القائلين بأنه التصديق فقط ولم ينكروا أنه يتجزأ. ووجه الجمع: أن الكل اتفقوا على أن الإيمان يتجزأ سواء هو التصديق وحده أو التصديق والعمل فتقول: إن التصديق الذي هو أصل الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والزيادة والنقصان إنما تكون في الأعمال التي هي ثمرات الإيمان والإيمان يطلق عليها حقيقة عند قوم، ومجازاً عند آخرين.

ويكون في هذا جمع بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة، وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون من أنه التصديق فقط.


(١) ((شرح صحيح مسلم)) للإمام النووي، (١/ ١٤٩)، ط المطبعة المصرية ومكتبتها، بدون تاريخ.
(٢) انظر: كتاب ((الإبانة عن أصول الديانة)) للأشعري، (ص: ١٠)، ط إدارة الطباعة المنيرية بالأزهر، بدون تاريخ.
(٣) اللقاني، عبدالسلام بن إبراهيم المالكي، ((إتحاف المريد بجوهرة التوحيد)) (ص: ٤٣)، تحقيق الشيخ محمد يوسف الشيخ، ط١ سنة ١٣٧٩هـ - ١٩٦٠م.

<<  <  ج: ص:  >  >>