للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هو الجنة ... فلما ابتلاهم الله فصبروا، ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم، ولما أن علم الله أنهم لا يحظرون جزاء في هذه الأرض كائنًا ما كان هذا الجزاء، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم - ولما لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجنس ولا قوم ولا اعتزاز بوطن ولا أرض لما أن علم الله منهم كله علم أنهم قد أصبحوا أمناء على هذه الأمانة الكبرى) (١).

لأهمية تلك العقيدة فإن القرآن المكي ظلَّ طوال ثلاث عشرة سنة لا يقرر شيئًا من التشريعات والتنظيمات وإنما كان التركيز على مسائل العقيدة وحدها، يقول الأستاذ سيد:

(إن طبيعة هذا الدين هي التي قضت بهذا ... فهو ديِن يقوم كلُّه على قاعدة الألوهية الواحدة ... كل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير ... وكما أن الشجرة الضخمة الباسقة الوارفة المديدة الظلال المتشابكة الأغصان الضاربة في الهواء ... لا بد أن تضرب بجذورها في التربة على أعماق بعيدة وفي مساحات واسعة تناسب خامتها وامتدادها ... فكذلك هذا الدين، إن نظامه يتناول الحياة كلها ... ولا بد له إذن من جذور عميقة بهذه السعة والخامة والعمق والانتشار أيضًا ... هذا جانب من سر هذا الدين وطبيعته يحدد منهجه في بناء


= الكثيرة التي تؤيد ما ذهبنا إليه، وكذلك حينما اجتمع النفر من قريش مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- بوساطة أبي طالب، يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: أريد منكم كلمة واحدة، قالوا: نقول عشر كلمات، فيقول: قولوا كلمة واحدة، كلمة لا إله إلا الله فإذا قلتموها دانت لكم العرب وأدت لكم العجم الجزية أو كما قال. رواه الترمذي في باب التفسير، وهذا صهيب -كما أخرج الإمام أحمد وغيره واللفظ لأحمد في مسنده ص ١٠٩ - يقول: (أتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو في ظل الكبة متوسدًا بردة فقلنا يا رسول الله: ادع الله تعالى لنا واستنصره، قال: فاحمر لونه أو تغير فقال: لقد كان من قبلكم يحفر له حفرة ويجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق ما يصرفه عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظم من لحم أو عصب ما يردّه عن دينه وليتمن الله تبارك وتعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضر موت لا يخشى إلا الله تعالى والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون).
(١) (٧/ ٨٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>