للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن مجاز ما يحوَّل خبره إلى شيء من سببه، ويترك خبره هو قال: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: ٤]، حوَّل الخبر إلى الكناية التي آخرها الأعناق.

ومن مجاز ما يحوّل فعل الفاعل إلى المفعول، قال: {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} [القصص: ٧٦]، والعصبة هي التي تنوء بالمفاتح.

ومن مجاز ما وقع المعنى على المفعول، وحُوِّل إلى الفاعل قال: {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ} [البقرة: ١٧١]، والمعنى: على الشيء المنعوق به، وحُوِّل على الراعي الذي ينعق بالشاء.

ومجاز ما قرأته الأئمة بلغاتها فجاء لفظه على وجهين أو أكثر، من ذلك قرأ أهل المدينة: {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} [الحجر: ٥٤]، فأضافوا بغير نون المضاف بلغتهم، وقال أبو عمرو: لا تضاف تبشرون إلا بنون الكناية، كقولك تبشرونني.

ويقول عند قوله سبحانه: {قَالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ} [البقرة: ٣٠]، جاءت على لفظ الاستفهام، والملائكة لم تستفهم ربها وقد قال تبارك وتعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}، ولكن معناها معنى الإيجاب: أي: إنك ستفعل.

وقال جرير -فأوجب ولم يستفهم- لعبد الملك بن مروان:

ألَسْتُم خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا ... وأنْدَى العالمينَ بُطون راحِ

وتقول -وأنت تضرب الغلام على الذنب: - ألست الفاعل كذا؟ ليس باستفهام، ولكن تقرير) (١).

فأنت ترى أن ما ذكره أبو عبيدة ينتظم كثيرًا من مباحث علم المعاني، فقد أشار إلى مباحث الخبر والإنشاء، وخروج بعض أدوات الاستفهام -وهو من قسم الإنشاء- عما وضعت له، كما أشار إلى التقديم والتأخير، والالتفات والتغليب،


(١) (مجاز القرآن) (١/ ٣٥ - ٣٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>