للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

النعم، التي أصبحتم فيها، على الهرب من نار الله الموقدة التي تطّلع على الأفئدة، فإنكم في دارٍ، الثواءُ فيها قليل، وأنتم مرتحلون، وخلائفُ بعد القرون، الذين استقالوا من الدنيا زهرتها، كانوا أطولَ منكم أعمارًا، وأجدَّ أجسامًا، وأعظم آثارًا، فجدَّدوا الجبالَ وجابوا الصخورَ، ونقَّبوا في البلاد، مُؤَيَّدين ببطش شديد، وأجسامٍ كالعماد، فما لبثت الأيامُ والليالي أن طوَتْ مدتهم، وعفت آثارَهم، وأخْوت منازلهم، وأنست ذِكرَهم، فما تُحِسُّ منهم من أحدٍ، ولا تسمعُ لهم ركزًا، كانوا بِلَهْوِ الأمل آمنين، ولميقات يوم غافلين ... إلى أن قال: وأصبحتم أنتم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، في زمان قد ولّى عفوُه، وذهب رخاؤه، فلم يبق منه إلا حُمَةُ شرٍّ، وصُبَابةُ كَدَرٍ، وأهاويلُ غِير، وأرسالُ فتنٍ، ورذالةُ خلف (١).

إذا كان هذا ما يحدث به الأوزاعي أهل زمانه -وهم في القرن الثاني الهجري - فماذا تراه سيُحدث أو يحدثُ غيره عن الناس في القرن الخامس عشر؟ وقد تلاطمت أمواج الفتن، وانتشرت البلايا، وراج سوقُ الغفلة، وأُصيب الناسُ بالذلِ والتبعية، وطاشت أسهمُ الدنيا، وخفّ ميزانُ الآخرة .. إلا من رحم اللهُ، ولو خلت لانقلبت.

أيها المسلمُ والمسلمة: وإذا عرفت طبيعةَ الدنيا وتقَلُّبها، فلا تعتقد أن البلاء إذا نزل بك إهانة، والمُصَاب جريمة، بل قد يكون هذا وذاك كرامة ونعمة، وأنت ممتحن بالصبر أو الجزع.

يقول ابنُ تيمية رحمه الله: فمن ابتلاه اللهُ بالمُرِّ، بالبأساء والضراء وقدر عليه رزقه، فليس ذلك إهانةٌ له، بل هو ابتلاء وامتحان، فإن أطاع الله في ذلك كان سعيدًا،


(١) سير أعلام النبلاء ٧/ ١١٧، ١١٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>