للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ونقص عددُ من نقل دينهم حتى قيل إنه لم يبق من يحفظ التوراةَ إلا واحد، والمسيحُ عليه السلام لم ينقل دينه إلا عددٌ قليل (١).

أيها المسلمون: كما تمتاز هذه الأمةُ المسلمة على الأمم الأخرى بالعفو والتسامح والمغفرة، والله يقول لهم: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (٢)، ويقول في صفاتهم: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (٣)، ويدعوهم إلى الصبر والتقوى في مقابل فتنة الآخرين وأذيتهم: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (٤).

أجل إن الأمة أُمرت بقتال الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يُحرِّمون ما حرمه الله ورسولُه، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتَى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

لكن هذا القتال ليس تعصبًا ولا استعلاءً في الأرض بغير الحق، ولكنه الرحمةُ بالخلق لدعوتهم للحق، ولذا فقبل القتال تكون الدعوةُ وتكون المجادلة بالحسنى، وفي وفد نصارى نجران علّق ابن حجر بقوله: وفيه من الفوائد: جواز مجادلة أهل الكتاب، وقد تجب إذا تعيّنت مصلحتُه (٥). فإذا قامت الحُجة ولم تغن المجادلة - كان الجهادُ أو دفعُ الجزية.

وأين هذه الأخلاقُ الإسلامية، والآدابُ من العفو والصفح والمجادلة بالحسنى ... أين هذا من تعصب أهل الكتاب وانغلاقهم، وشعورهم بالتميُّز،


(١) الجواب الصحيح: ١/ ١٢٧، ١٢٨.
(٢) سورة الجاثية، الآية: ١٤.
(٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٨٦.
(٥) الفتح: ٨/ ٩٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>