للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأطفالَها، فبدأَ عمرُ يصنعُ لهم الطعامَ حتى رُئي الدخانُ يخرجُ من خَلَلِ لحيتِه الكثيفةِ، ولم يزلْ كذلك حتى نَضِجَ الطعامُ وأفرغَ للمرأةِ وصبيانها فأكلوا حتى شَبِعوا حتى شكرتْ له المرأةُ صنيعَه -وهي لا تعرفه- وقالت: أنت أَولى بهذا الأمرِ من أميرِ المؤمنين، فردَّ عليها عمرُ: قولي خيرًا وإنك إذا جئتِ أميرِ المؤمنين وجَدْتِني هناك.

يقول أسلمُ: ثم تنحَّى عنهم ورَبَضَ مربِضَ السَّبُع، فجعلتُ أقول له: إن لك شأنًا غيرَ هذا؟ وهو لا يكلِّمني، حتى رأيتُ الصبيةَ يصطرعون ويضحكون ثم ناموا وهدؤوا، فقام عمرُ وهو يَحمَدُ الله، ثم أقبل عليَّ فقال: يا أسلمُ، إن الجوعَ أسهرَهم وأبكاهم، فأحببتُ أن لا أنصرفَ حتى أرى ما رأيتُ منهم» (١).

عجبًا لك يا ابنَ الخطابِ، فلقد كنتَ في الجاهلية نموذجًا للغِلْظةِ والشدة حتى تدفنَ ابنتَك وهي حية وهي تنفُض الترابَ عن لحيتك، ثم أنت في الإسلامِ يُقلقُ مضجَعَك بكاءُ الجوعى لا من بيتِك وعائلِتك، بل من أبناءِ المسلمين وخارج المدينة، ولا تكتفي بحملِ الطعام وصُنعِه بل تنتظرُ حتى تتبدَّلَ مشاعرُ الأسى بالفرحةِ والأنُس، إنه الإسلامُ جعل منكَ عظيمًا في كل شيءٍ، وليس إغاثةُ الملهوفِينَ إلا جزءًا من هذه العَظَمة، حتى أشفقَ الصحابةُ على عمرَ من شدَّةِ اهتمامِه بالمسلمين، ويقول الصحابةُ المعاصرون له: لو لم يرفعِ اللهُ المَحْلَ عامَ الرمادة لظنَنّا أنَّ عمرَ يموتُ همًّا بأمرِ المسلمين (٢). بل تتجاوزُ العَظَمةُ في شخصيتِك، وتصلُ بك نُبْلُ المشاعرِ وبواعثُ الرحمةِ، على أن تتجاوزَ بني الإنسان إلى الرأفةِ بالحيوان، ويؤثَرُ عنك القول: «واللهِ لو أنَّ بغلةً سقطتْ في العراقِ لكان عمرُ مسئولًا عنها: لِمَ لمْ تمهِّدْ لها الطريقَ يا عمرُ! ».


(١) تاريخ الطبري ٥/ ٢٠، ٢١.
(٢) الطبقات الكبرى ٢/ ٣١٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>