للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٣ - أعمال القلب عندهم ليست من الإيمانمما أورده شيخ الإسلام على مرجئة الفقهاء أنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح، فإنها لازمة لها (١).

والذي عليه هؤلاء المرجئة هو إخراج أعمال القلوب من الإيمان، فقد قال شيخ الإسلام: "والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب.

ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقا كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم.

ومنهم من لا يدخلها، كجهم ومن اتبعه، كالصالحي، وهذا هو الذي نصره هو - يعني الأشعري - وأكثر أصحابه.

والقول الثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية. والثالث: تصديق القلب، وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم" (٢).

وهذا التصنيف لهذه الفرق يفيد أن الفقهاء يحصرون الإيمان في التصديق والقول.

ويفيد كذلك أن الذين يدخلون أعمال القلوب في الإيمان هم الفريق الأول من الصنف الأول، وهم أكثر فرق المرجئة الذين يرون الإيمان مجرد ما في القلب، وأن من عداهم - ومنهم الفقهاء - لا يدخل هذه الأعمال في الإيمان. ويزيد الأمر وضوحا قول شيخ الإسلام على قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ [محمد: ٢٦]، قال: "ولهذا فسر السلف هؤلاء الذين كرهوا ما نزل الله الذين كانوا سبب نزول هذه الآية بالمنافقين، واليهود (٣).

قالت الوعيدية: الله تعالى إنما وصفهم بمجرد كراهة ما نزل الله، والكراهة عمل القلب.

وعند الجهمية: الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، هذا قول جهم، والصالحي، والأشعري في المشهور عنه، وأكثر أصحابه.

وعند فقهاء المرجئة هو: قول اللسان، مع تصديق القلب.

وعلى القولين: أعمال القلوب ليست من الإيمان عندهم، كأعمال الجوارح. فيمكن أن يكون الرجل مصدقا بلسانه، وقلبه، مع كراهة ما نزل الله، وحينئذ فلا يكون هذا كافرا عندهم، والآية تتناوله، وإذا دلت على كفره دلت على فساد قولهم" (٤).

فقول شيخ الإسلام "على القولين" المراد بهما كما هو ظاهر: قول الجهمية ومن وافقهم، وقول فقهاء المرجئة.

وعليه، فالفقهاء وافقوا هؤلاء المرجئة في إخراج عمل القلب، وزادوا عليهم بإدخال قول اللسان.

وكذلك قوله: "دلت على فساد قولهم" يعني في إخراجهم عمل القلب من الإيمان.

وقال شيخ الإسلام أيضا: "ومن هنا غلطت الجهمية، والمرجئة، فإنهم جعلوا الإيمان من باب القول.

إما قول القلب الذي هو علمه، أو معنى غير العلم عند من يقول بذلك، وهذا قول الجهمية، ومن تبعهم، كأكثر الأشعرية، وبعض متأخري الحنفية.

وإما قول القلب واللسان، كالقول المشهور عن المرجئة. ولم يجعلوا عمل القلب، مثل حب الله ورسوله، ومثل خوف الله من الإيمان، فغلطوا في هذا الأصل" (٥).

وقول شيخ الإسلام هذا أفاد:

اتفاق المرجئة - المتكلمين منهم والفقهاء - على حصر الإيمان في باب القول.


(١) انظر: ((الإيمان)) (ص١٨٣) ((الفتاوى)) (٧/ ١٩٤).
(٢) ((الإيمان)) (ص١٨٤) ((الفتاوى)) (٧/ ١٩٥).
(٣) انظر: ((جامع البيان)) (٢٦/ ٧٠)؛ و ((زاد المسير)) (٧/ ٤٠٩).
(٤) ((منهاج السنة)) (٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، وانظر: ((الفتاوى)) (٧/ ٦٣٦ - ٦٣٧).
(٥) شرح حديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق دغش العجمي، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ، دار ابن حزم بيروت، ص٣٠، و ((جامع المسائل)) (٥/ ٢٤٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>