للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإذا كان علما لا بالنفس ولا بالحال فذلك محال من قولنا وقولكم جميعا. وإن كان علما بالنفس دون الحال فذلك محال وموجب لأن يكون العلم بالنفس أنها نفس علما بالحال وأن يكون كل من علم ذات من له الحال ووجوده، علم اختصاصه بتلك الحال؛ وذلك محال.

وإن كان العلم بأن النفس على الحال علما بالحال فقط فقد ثبت أن الحال معلومة وإن كان العلم بذلك علما بالنفس والحال، فقد وجب أن يكونا معلومين جميعا، وأن تكون الحال معلومة كما أن النفس معلومة وهذا يبطل قولكم أن الحال غير معلومة. وإن كانت هذه الحال معلومة وجب أن تكون إما موجودة أو معدومة، فإن كانت معدومة استحال أن توجب حكما وأن تتعلق بزيد دون عمرو وبالقديم دون المحدث، وإن كانت موجودة، وجب أن تكون شيئا وصفة متعلقة بالعالم، وهذا قولنا الذي نذهب إليه، وإنما يحصل الخلاف في العبارة، وفي تسمية هذا الشيء علما أو حالا، وليس هذا بخلاف في المعنى فوجب صحة ما نذهب إليه من إثبات الصفات، وبطلان قولكم أنها أحوال (١).ومما يدل على بطلان هذه الأحوال التي تزعمونها أن كل حال يحتاج إلى حال أخرى، وهكذا فيتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية وهو باطل فما يؤدي إليه مثله (٢). وبذلك تبطل أحوال أبي هاشم. والله أعلم. ويحسن قبل أن نختم الكلام على موقف المعتزلة من الصفات أن نشير إلى أن أهم ما ظهر لنا من ذلك أن المعتزلة سلكوا طريقين في موقفهم من الصفات، فأغلبيتهم وعلى رأسهم النظام نفاها فقال: إن الله عالم بذاته لا بعلم وهكذا في باقي الصفات. وبعضهم أثبتها اسما ونفاها فعلا فقال: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته، وهكذا في بقية الصفات، فكان مجتمعا مع الرأي الأول في الغاية وهي نفي الصفات والمقصود بنفي الصفات نفي إثباتها حقيقة في الذات ومتميزة عنها (٣). وذلك أنهم - كما ذكرنا - يجعلونها عين الذات، فالله عالم بذاته بدون علم أو عالم بعلم وعلمه ذاته، ثم قلنا: أنه خرج لهم بعد ذلك آراء أخرى أهمها معاني معمر وأحوال أبي هاشم، وهذان الرأيان يجتمعان في الغاية مع الرأيين الأولين، وهو التخلص من إثبات الصفات حقيقة في الذات، ومتميزة عنها.

المصدر:المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ٩٧


(١) انظر ((التمهيد)) (ص ٢٠١) بتصرف.
(٢) انظر ((التمهيد)) (ص ٢٠٢).
(٣) انظر ((فلسفة المعتزلة)) (ص ٤٦,٤٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>