للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يقال لهم: أولاً: المراد بالظالمين في الآية: الكاملون في الظلم؛ وهم الكافرون (١)، لقوله تعالى: ... إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]. يقول ابن الجوزي: " مَا لِلظَّالِمِينَ يعني الكافرين" (٢). وقد قال بمثل هذا القول كل من ابن جرير (٣)، وابن جزي الكلبي (٤).كذلك قال الباقلاني بمثل ما قال به (٥) ابن الجوزي، واستدل بالآية: ... إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]. ثم قال: ( .... ولهذا نزل قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ... الآية [الأنعام: ٨٢]. حزن الصحابة - رضي الله عنهم - حتى قالوا: وأينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((ليس هو كما تظنون، إنما هو من قول لقمان لابنه ... يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣])) (٦). فدل أن لا شفاعة تنفع الكافر والمؤمن بخلاف ذلك، وإن كانت له سيئات ... " (٧). انتهى كلام الباقلاني بتصرف.

من هذا العرض يظهر لنا أن المراد بالظالمين في الآية هم الكافرون، فعلى ذلك فالشفاعة المنفية هنا إنما هي منفية عن الكفار، وصاحب الكبيرة ليس بكافر، فيبطل الاستدلال بالآية. والله أعلم.

ثانياً: أن لفظ الظالمين؛ إما أن يفيد الاستغراق، وإما ألا يفيد. فإن أفاد الاستغراق كان المراد من الظالمين مجموعهم وجملتهم، ويدخل في مجموع هذا الكلام الكفار، وعندنا أنه ليس لهذا المجموع شفيع، لأن بعض هذا المجموع هم الكفار، وليس لهم شفيع؛ فحينئذ لا يكون لهذا المجموع شفيع. وإن لم يفد الاستغراق؛ كان المراد من الظالمين بعض من كان موصوفاً بهذه الصفة، وعندنا أن بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس لهم شفيع، وهم الكافرون؛ وإذاً فعلى كلا الاحتمالين فليس في الآية دلالة على نفي الشفاعة لأصحاب الكبائر (٨).ثالثا: أن الله تعالى نفى في الآية شفيعاً يطاع، وهذا لا يدل على نفي الشفيع، ألا ترى أنك إذا قلت: ما عندي كتاب يباع، لا يلزم منه نفي الكتاب. ثم إن الآية تدل على أنه ليس لهم يوم القيامة شفيع يطيعه الله تعالى؛ لأنه ليس في الوجود أحد أعلى حالاً من الله تعالى حتى يقال: إن الله يطيعه (٩). وإذا فنفي الشفيع المطاع لا يقتضي نفي الشفاعة، وعليه فلا دلالة في الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر؛ وبذلك يبطل استدلال المعتزلة بهذه الآية. والله أعلم.

الشبهة الثالثة:

قال تعالى: ... وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ... الآية [الأنبياء: ٢٨].

وجه الدلالة: يقول القاضي عبدالجبار: " ... الآية تدل على أن الشفاعة لا تكون إلا لمن كانت طرائقه مرضية، وأن الكافر والفاسق ليسا من أهلها" (١٠).


(١) ((روح المعاني)) (٢٤/ ٥٩).
(٢) ((زاد المسير)) (١٠/ ٧٧).
(٣) ((تفسير الطبري)) (٢/ ٣٣).
(٤) ((التسهيل لعلوم التنزيل)) (٤/ ٧).
(٥) انظر ((التمهيد)) (ص٣٧١)، و ((الإنصاف)) (ص١٥٤).
(٦) رواه البخاري (٣٣٦٠) , ومسلم (١٢٤) , من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(٧) ((الإنصاف)) (ص١٥٤)، بتصرف.
(٨) ((التفسير الكبير)) (٢٧/ ٣٢).
(٩) ((التفسير الكبير)) (٢٧/ ٣٢).
(١٠) ((متشابه القرآن)) (٢/ ٤٩٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>