للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإذا انتهينا إلى هذا الحد من الرد على المانعين لرؤية الله تعالى نقلاً وعقلاً، فإننا نقرر هنا أن السلف يذهبون إلى إثبات ما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم إثباتاً حقيقياً بعيداً عن تأويلات أهل البدع الذين يذهبون إلى نفي رؤية الله تعالى، التي ثبت صحتها ووجب اعتقادها على كل مسلم، بعد أن دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على صحة وقوعها يوم القيامة. لقد ثبت بإجماع السلف والأئمة أن الله تعالى يرى في الآخرة، يراه أهل محبته ورضوانه، وهو خير ما وعد الله به عباده المؤمنين، بل هو كمال النعيم في الدار الآخرة كما قاله ابن القيم (١) رحمه الله، لا يشك في صحة وقوعه إلا أهل البدع والضلالات. ويطول بنا القول لو أردنا إثبات الأدلة على الرؤية وأقوال السلف في هذا الأمر، ومن تلك الأدلة التي وردت في القرآن الكريم قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] , وقوله تعالى: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦] , فقد فسرت الزيادة بأنها النظر إلى الله تعالى كما ذهب إليه علماء السلف (٢).وقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ [١٥ - ١٧] , يقول الدرامي: " ففي هذا دليل أن الكفار كلهم محجوبون عن النظر إلى الرحمن عز وعلا، وأن أهل الجنة غير محجوبين عنه" (٣).ومثله قوله تعالى: وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥] , فسرها أنس بن مالك (بأن الله يتجلى لهم كل جمعة) (٤).ومن السنة ما جاء عن جرير قال: ((كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا)) (٥).وكذا ما جاء عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)) (٦).

فلا اعتبار لكلام هؤلاء المبطلين في نفي الرؤية مع قول الله عز وجل وقول الرسول الكريم وقول السلف الصالح الذين لهم القدم الراسخة في العلم.

يقول الطحاوي: " والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ".ويقول ابن أبي العز معلقاً على هذا الكلام: " المخالف في الرؤية: الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية، وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة، وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة " (٧).


(١) ((طريق الهجرتين)) (ص ٥٩).
(٢) انظر: ((الرد على الجهمية)) (ص ٤٦)، وانظر: (ص ٥٢): وانظر: كتاب ((السنة)) (ص ٤٥).
(٣) ((الرد على الجهمية)) (ص ٤٥).
(٤) ((الرد على الجهمية)) (ص ٥٣).
(٥) رواه البخاري (٧٤٣٤).
(٦) رواه أحمد (٥/ ٣٢٤) (٢٢٨١٦)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٤/ ٤١٩)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٤٢٨). وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٢٤٥٩).
(٧) ((شرح الطحاوية)) (ص ١٢٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>