للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأثر الإمامة هنا يبدو إلى جانب تحديد المعصوم - في اشتراط إمامية الراوي، فالحديث لا يرقى لمرتبة الصحيح ما لم يكن الرواة من الجعفرية الاثني عشرية في جميع الطبقات. وأول واضع لأقسام الحديث عندهم يوضح سبب هذا الاشتراط بقوله: " لا تقبل رواية الكافر، وإن علم من دينه التحرز عن الكذب، لوجوب التثبت عند الفاسق، والمخالف من المسلمين، إن كفرناه فكذلك، وإن علم منه تحريم الكذب - خلافاً لأبي الحسن لاندراجه تحت الآية، وعدم علمه لا يخرجه عن الاسم، ولأن قبول الرواية تنفيذ الحكم على المسلمين، فلا يقبل كالكافر الذي ليس من أهل القبلة. احتج أبو الحسن بأن أصحاب الحديث قبلوا أخبار السلف كالحسن البصري وقتادة وعمر بن عبيد، مع علمهم بمذهبهم، وإنكارهم على من يقول بقولهم، والجواب المنع من المقدمتين، ومع التسليم فنمنع الإجماع عليه وغيره ليس بحجة. والمخالف غير الكافر لا تقبل روايته أيضاً لاندراجه تحت اسم الفاسق " (١).ويقول الماماقاني (٢): " الموافق للتحقيق هو أن العدالة لا تجامع فساد العقيدة وأن الإيمان شرط في الراوي ". ويقول أيضاً: " وهو الذي اختاره العلامة في كتبه الأصولية وفاقاً للأكثر لقوله تعالى:- إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:٦] ولا فسق أعظم من عدم الإيمان، والأخبار الصريحة في فسقهم بل كفرهم لا تحصى كثرة ".

يستفاد مما سبق: أن الإيمان شرط في الراوي، وخبر الفاسق يجب التأكد من صحته، وغير الجعفري كافر أو فاسق، فخبره لا يمكن بحال أن يكون صحيحاً، وهنا لا يبدو أثر الإمامة فحسب بل يظهر التطرف والغلو والزندقة. ويأتي بعد الصحيح: الحسن:، وهو " ما اتصل سنده إلى المعصوم بإمامي ممدوح مدحاً مقبولا معتداً به، غير معارض بذم، من غير نص على عدالته، مع تحقق ذلك في جميع مراتب رواة طريقة، أو في بعضها. (٣)

ويستفاد من هذا النص أنهم يشترطون للحسن:

اتصال السند إلى المعصوم بدون انقطاع.

أن يكون جميع الرواة إماميين.

وأن يكون ممدوحين مدحاً مقبولاً معتداً به، دون معارضة بذم، وبالطبع الذم غير المقبول لا يعتد به.

ألا ينص على عدالة الراوي، فلو كان الرواة عدولاً لأصبح الحديث صحيحا كما عرفنا من دراستنا للصحيح.

تحقق ذلك في جميع مراتب رواة طريقه، أو في بعضها. يفهم من هذا أن جميع الرواة غير ثابتي العدالة، أو بعضهم كذلك والآخرين عدول، فالمعروف أن الحديث يحمل على أدنى مرتبة في الرواة - فلو فقد شرطا آخر غير العدالة لما أصبح حسناً.

ويقول صاحب (ضياء الدراية) (ص ٢٤):

" ألفاظ المدح على ثلاثة أقسام ":

ما له دخل في قوة السند، مثل صالح وخير.

ما له دخل في قوة المتن لا في السند، مثل فهيم وحافظ.

ما ليس له دخل فيهما، مثل شاعر وقارئ.

فالأول يفيد في كون السند حسنا أو قويا، والثاني ينفع في مقام الترجيح، والثالث لا عبرة له في المقامين، بل هو من المكملات ".

ويقول عن الجمع بين القدح والمدح (الصفحة ذاتها):

" القدح بغير فساد المذهب قد يجامع المدح لعدم المنافاة بين كونه ممدوحاً من جهة، ومقدوحاً من جهة أخرى ".

وأثر عقيدة الإمامة في هذا النوع يبدو فيما يأتي:

اشتراط إمامية الراوي.


(١) ((تهذيب الوصول إلى علم الأصول)) (ص ٧٧ – ٧٨).
(٢) هو صاحب كتاب ((تنقيح المقال في علم الرجال))، وكتاب ((مقباس الهداية في علم الدراية)) وله مكانته عند الجعفرية وعلى الأخص في هذا المجال، والنقل من كتابه الأول (ص ٢٠٧).
(٣) ((مقباس الهداية)): (ص ٣٤)، ((ضياء الدراية)): (ص٢٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>